اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1


المنتقى من جامع العلوم والحكم ( 10 ) " شرح حديث : إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ... "

الموضوع في 'الملتقى الإســلامي' بواسطة الموهوب, بتاريخ ‏2012-02-26.


  1. الموهوب

    الموهوب عضوية تميّز عضو مميز

    440
    0
    0
    ‏2011-05-30
    معلم


    الحديث العاشر
    عَنْ أبي هُرَيرة - رضي الله عنه - قال : قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - : (( إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طيِّباً ، وإنَّ الله تعالى أمرَ المُؤْمِنينَ بما أمرَ به المُرسَلين ، فقال : { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحا } ، وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُم } ، ثمَّ ذكَرَ الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفرَ : أَشْعَثَ أَغْبَرَ ، يمُدُّ يدَيهِ إلى السَّماءِ : يا رَب يا رب ، وَمَطْعَمُهُ حَرامٌ ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حرامٌ ، وَغُذِّيَ بالحَرَامِ ، فأنَّى يُستَجَابُ لِذلكَ ؟ )) . رواهُ مُسلمٌ .

    الشرح :

    1 ـ الطيب هنا : معناه الطاهر .والمعنى : أنَّه تعالى مقدَّسٌ منَزَّه عن النقائص والعيوب كلها ، وهذا كما في قوله : { وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُون } ، والمراد : المنزهون من أدناس الفواحش وأوضَارها .
    2 ـ وقوله : (( لا يقبل إلا طيباً )) .. المراد أنَّه تعالى لا يقبل مِن الصدقات إلا ما كان طيباً حلالاً .
    ـ وقد قيل : إنَّ المراد في هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله : (( لا يقبلُ الله إلا طيباً )) أعمُّ مِنْ ذلك ، وهو أنَّه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيباً طاهراً من المفسدات كلِّها ، كالرياء والعُجب ، ولا من الأموال إلا ما كان طيباً حلالاً ، فإنَّ الطيب تُوصَفُ به الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ ، فكلُّ هذه تنقسم إلى طيِّبٍ وخبيثٍ .
    3 ـ وقد قسَّم الله تعالى الكلام إلى طيب وخبيث ، فقال : { ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَة } ، { وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ } ، وقال تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } ، ووصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنَّه يحلُّ الطيبات ويحرِّمُ الخبائث .
    4 ـ وقد قيل : إنَّه يدخل في ذلك الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ أيضاً ، ووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب بقوله تعالى : { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ } وإنَّ الملائكة تقولُ عند الموت: اخرُجي أيتها النفس الطَّيِّبة التي كانت في الجسد الطيِّب، وإنَّ الملائكة تسلِّمُ عليهم عندَ دُخول الجنة، ويقولون لهم: طبتم فادخلوها خالدين .
    5 ـ فالمؤمن كله طيِّبٌ قلبُه ولسانُه وجسدُه بما سكن في قلبه من الإيمان ، وظهر على لسانه من الذكر ، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان ، وداخلة في اسمه ، فهذه الطيباتِ كلُّها يقبلها الله - عز وجل - . ومن أعظم ما يحصل به طيبةُ الأعمَال للمؤمن طيبُ مطعمه ، وأنْ يكون من حلال ، فبذلك يزكو عملُه .
    6 ـ وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّه لا يقبل العملُ ولا يزكو إلاَّ بأكل الحلال ، وإنَّ أكل الحرام يفسد العمل ، ويمنع قبولَه ، فإنَّه قال بعد تقريره : (( إنَّ الله لا يقبلُ إلاَّ طيباً )) إنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال : { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً } ، وقال : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } .
    والمراد بهذا أنَّ الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال ، وبالعمل الصالح ، فما دام الأكل حلالاً ، فالعملُ صالح مقبولٌ ، فإذا كان الأكلُ غير حلالٍ ، فكيف يكون العمل مقبولاً ؟
    7 ـ وقد اختلفَ العلماءُ في حجِّ من حجَّ بمالٍ حرام ، ومن صلَّى في ثوب حرام ، هل يسقط عنه فرضُ الصلاة والحج بذلك ، وفيه عن الإمام أحمد روايتان ، وهذه الأحاديث المذكورة تدلُّ على أنَّه لا يتقبل العملُ مع مباشرة الحرام ، لكن القبول قد يُراد به الرضا بالعمل ، ومدحُ فاعله ، والثناءُ عليه بين الملائكة والمباهاةُ به ، وقد يُراد به حصولُ الثواب والأجر عليه ، وقد يراد به سقوط الفرض به من الذمة ، فإنْ كان المراد هاهنا القبولَ بالمعنى الأوَّل أو الثاني لم يمنع ذلك من سقوط الفرض به من الذمة ، كما ورد أنَّه لا تقبل صلاة الآبق ، ولا المرأة التي زوجها عليها ساخطٌ ، ولا من أتى كاهناً ، ولا من شرب الخمر أربعين يوماً ، والمراد - والله أعلم - نفي القبول بالمعنى الأوَّل أو الثاني ، وهو المراد - والله أعلم - من قوله - عز وجل - : { إنَّما يَتقبَّلُ الله من المتَّقين } . ولهذا كانت هذه الآية يشتدُّ منها خوفُ السَّلف على نفوسهم ، فخافوا أنْ لا يكونوا من المتَّقين الذين يُتقبل منهم .
    8 ـ وأما الصدقة بالمال الحرام ، فغيرُ مقبولةٍ كما في " صحيح مسلم " عن ابن عمر ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : (( لا يقبلُ الله صلاةً بغير طهورٍ ، ولا صدقةً من غلولٍ )) .
    وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : (( ما تصدَّق أحدٌ بصدقة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطَّيِّبَ- إلا أخذها الرحمان بيمينه )).
    9 ـ وسُئِلَ ابنُ عباس عمَّن كان على عمل ، فكان يَظلِمُ ويأخُذُ الحرام ، ثم تابَ ، فهو يحجُّ ويعتِق ويتصدَّق منه ، فقال : إنَّ الخبيث لا يُكَفِّرُ الخبيثَ ، وكذا قال ابن مسعود : إنَّ الخبيثَ لا يُكفِّر الخبيث ، ولكن الطَّيِّبَ يُكفِّرُ الخبيث ، وقال الحسنُ : أيها المتصدِّق على المسكين يرحمُه ، ارحم من قد ظَلَمْتَ .
    10 ـ واعلم أنَّ الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين :
    أحدهما : أنْ يتصدَّقَ به الخائنُ أو الغاصبُ ونحوهما عن نفسه ، فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يُتُقبَّلُ منه ، بمعنى : أنَّه لا يُؤجَرُ عليه ، بل يأثمُ بتصرفه في مال غيره بغير إذنه ، ولا يحصلُ للمالك بذلك أجرٌ ؛ لعدم قصده ونيته ، كذا قاله جماعةٌ من العلماء ، منهم : ابنُ عقيلٍ من أصحابنا ، وفي كتاب عبد الرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي : أنَّه سأل سعيد بنَ المسيب قال : وجدت لقطةً ، أفأتصدق بها ؟ قالَ : لا تُؤجر أنت ولا صاحبُها .
    ولعلَّ مرادَه إذا تَصدَّقَ بها قبلَ تعريفها الواجب . ولو أخذ السلطانُ ، أو بعضُ نوابه من بيت المال ما لا يستحقه ، فتصدق منه أو أعتق ، أو بنى به مسجداً أو غيره مما ينتفع به الناسُ، فالمنقولُ عن ابنِ عمر أنَّه كالغاصبِ إذا تصدق بما غصبه، كذلك قالَ لعبد الله بن عامر أميرِ البصرة ، وكان الناس قد اجتمعُوا عنده في حال موته وهم يُثنون عليهِ ببرِّه وإحسانه، وابن عمر ساكتٌ، فطلب منه أنْ يتكلَّم، فروى له حديث : (( لا يقبلُ الله صدقة من غُلولٍ ))، ثم قال له: وكنت على البصرة.
    وقال أسدُ بنُ موسى في " كتاب الورع " : قال ابنُ عامر لعبد الله بن عمر : أرأيتَ هذا العقاب التي نُسَهِّلُها ، والعيون التي نُفَجِّرُها ، ألنا فيها أجرٌ ؟ فقال ابن عمر : أما علمتَ أنَّ خبيثاً لا يُكَفِّرُ خبيثاً قط ؟
    ـ وقال أيضاً : قال ابنُ عمر لابنِ عامر وقد سأله عن العتق : مَثَلُكَ مثلُ رجلٍ سرق إبلَ حاجٍّ ، ثم جاهد بها في سبيل الله ، فانظر هل يقبل منه ؟
    ـ وقد كان طائفة من أهل التشديد في الورع ، كطاووسٍ ووهيب بن الورد يَتَوقَّوْنَ الانتفاع بما أحدثه مثلُ هؤلاء الملوك .
    ـ وأما الإمام أحمد - رحمه الله فإنَّه رخَّصَ فيما فعلوه من المنافع العامة ، كالمساجد والقناطر والمصانع ، فإنَّ هذه ينفق عليها من مال الفيء ، اللهم إلاَّ أنْ يتيقَّن أنَّهم فعلوا شيئاً من ذلك بمالٍ حرام كالـمُكوس والغصوب ونحوها ، فحينئذ يتوقَّى الانتفاع بما عمل بالمال الحرام ، ولعلَّ ابنَ عمر إنَّما أنكر عليهم أخذَهُم لأموال بيت المال لأنفسهم ، ودعواهم أنَّ ما فعلوه منها بعد ذلك ، فهو صدقة منهم ، فإنَّ هذا شبيهٌ بالغصوب ، وعلى مثل هذا يُحمل إنكار من أنكر من العلماء على الملوك بنيان المساجد .
    ـ قال أبو الفرج بنُ الجوزي : رأيت بعضَ المتقدمين سُئلَ عمن كسب حلالاً وحراماً من السلاطين والأمراء ، ثم بنى الأربطة والمساجد : هل له ثواب ؟ فأفتى بما يُوجِبُ طيب قلب المنفق ، وأنَّ لهُ في إيقاف ما لا يملكه نوع سمسرة ؛ لأنَّه لا يعرف أعيان المغصوبين ، فيرد عليهم . قالَ : فقلتُ واعجباً من متصدِّرين للفتوى لا يعرفونَ أصولَ الشريعة ، ينبغي أنْ ينظر في حال هذا المنفق أوَّلاً ، فإنْ كانَ سلطاناً ، فما يخرج من بيت المال ، قد عرفت وجوهُ مصارفِه ، فكيف يمنع مستحقيه ، ويشغله بما لا يفيد من بناء مدرسة أو رباط؟ وإنْ كان مِن الأُمراء ونوَّابِ السلاطين، فيجب أنْ يردَّ ما يجب ردُّه إلى بيت المال ، وإنْ كان حراماً أو غصباً ، فكلُّ تصرف فيه حرام ، والواجب ردُّه على من أخذ منه أو ورثته ، فإن لم يعرف ردَّ إلى بيت المال يصرف في المصالح أو في الصدقة ، ولم يحظ آخذه بغير الإثم . انتهى .
    وإنَّما كلامُه في السلاطين الذين عهدهم في وقته الذين يمنعون المستحقين من الفيء حقوقهم ، ويتصرَّفونَ فيه لأنفسهم تصرف المُلاَّكِ ببناء ما ينسبونه إليهم من مدارسَ وأربطةٍ ونحوها مما قد لا يحتاج إليه ، ويخص به قوماً دون قوم ، فأما لو فرض إمامٌ عادلٌ يعطي الناس حقوقهم من الفيء ، ثم يبني لهم منه ما يحتاجون إليه من مسجدٍ ، أو مدرسة ، أو مارستان ، ونحوِ ذلك كان ذلك جائزاً ، ولو كان بعضُ من يأخذ المال لنفسه من بيت المال بنى بما أخذه بناء محتاجاً إليه في حال ، يجوز البناء فيه من بيتِ المال ، لكنَّه نسبه إلى نفسه ، فقد يتخرَّجُ على الخلاف في الغاصب إذا ردَّ المالَ إلى المغصوب منه على وجه الصدقة والهبة هل يبرأ بذلك أم لا ؟ وهذا كلُّه إذا بني على قدر الحاجة من غير سرفٍ ولا زخرفةٍ .
    وقد أمر عمرُ بنُ عبد العزيز بترميم مسجد البصرة من مال بيت المال ، ونهاهم أنْ يتجاوزوا ما تصدَّع منه ، وقال : إني لم أجد للبنيان في مال الله حقاً ، ورُوي عنه أنَّه قال : لا حاجة للمسلمين فيما أضرَّ ببيت مالهم .
    واعلم أنَّ من العلماء من جعل تصرُّفَ الغاصب ونحوه في مال غيره موقوفاً على إجازة مالكه ، فإنْ أجاز تصرُّفه فيه جاز ، وقد حكى بعضُ أصحابنا روايةً عن أحمد أنَّ من أخرج زكاته من مالٍ مغصوبٍ ، ثم أجازه لهُ المالك ، جاز وسقطت عنه الزكاة ، وكذلك خرَّج ابن أبي موسى روايةً عن أحمد : أنَّه إذا أعتق عبدَ غيره عن نفسه ملتزماً ضمانه في ماله ، ثم أجازه المالك جاز ، ونفذ عتقه ، وهو خلافُ نصِّ أحمد ، وحكي عن الحنفية أنَّه لو غصب شاة ، فذبحها لمتعته وقرانه ، ثم أجازه المالك أجزأت عنه .
    ـ الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب : أنْ يتصدَّق به عن صاحبه إذا عجز عن ردِّه إليه أو إلى ورثته ، فهذا جائزٌ عند أكثر العلماء ، منهم : مالكٌ ، وأبو حنيفة ، وأحمد وغيرهم . قال ابنُ عبد البر : ذهب الزُّهري ومالك والثوري ، والأوزاعي ، والليث إلى أنَّ الغالَّ إذا تفرَّق أهلُ العسكر ولم يَصِلْ إليهم أنَّه يدفع إلى الإمام خمسه ، ويتصدق بالباقي ، روي ذلك عن عُبادة بن الصامت ومعاوية ، والحسن البصري ، وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس ؛ لأنَّهما كانا يريان أنْ يتصدَّق بالمال الذي لا يعرف صاحبه ، قال : وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها ، وجعلوه إذا جاء مخيراً بين الأجر والضمان ، وكذلك الغصوب . انتهى .
    ـ وروي عن مالك بن دينار ، قال : سألتُ عطاء بن أبي رباح عمن عنده مالٌ حرام ، ولا يعرف أربابه ، ويريدُ الخروج منه ؟ قال : يتصدق به ولا أقول : إنَّ ذلك يُجزئ عنه . قال مالك : كان هذا القول من عطاء أحبَّ إليَّ من وزنه ذهباً .
    ـ وقال سفيان فيمن اشترى من قوم شيئاً مغصوباً : يردُّه إليهم ، فإنْ لم يقدر عليهم ، تصدَّق به كلَّه ، ولا يأخذ رأس ماله ، وكذا قال فيمن باع شيئاً ممن تكره معاملته لشبهة ماله ، قال : يتصدَّقُ بالثمن ، وخالفه ابنُ المبارك ، وقال : يتصدق بالرِّبح خاصَّةً ، وقال أحمد : يتصدَّق بالربح .
    وكذا قال فيمن ورث مالاً من أبيه ، وكان أبوه يبيعُ ممَّن تكره معاملته : أنَّه يتصدَّق منه بمقدار الرِّبح ، ويأخذ الباقي . وقد رُوي عن طائفةٍ من الصَّحابة نحوُ ذلك : منهم : عمرُ بنُ الخطاب ، وعبدُ الله بنُ يزيد الأنصاري .
    والمشهور عن الشافعي رحمه الله في الأموال الحرام : أنَّها تُحفظ ، ولا يُتصَدَّقُ بها حتى يظهر مستحقُّها .
    ـ وكان الفضيلُ بنُ عياض يرى : أنَّ من عنده مالٌ حرامٌ لا يعرف أربابه ، أنَّه يُتلفه ، ويُلقيه في البحر ، ولا يتصدَّق به ، وقال : لا يتقرَّب إلى الله إلاَّ بالطيب .
    والصحيح الصدقةُ به ؛ لأنَّ إتلاف المال وإضاعته منهيٌّ عنه ، وإرصاده أبداً تعريض له للإتلاف ، واستيلاء الظلمة عليه ، والصدقة به ليست عن مكتسبه حتى يكون تقرُّباً منه بالخبيث ، وإنَّما هي صدقةٌ عن مالكه ، ليكون نفعُه له في الآخرة حيث يتعذَّرُ عليه الانتفاعُ به في الدنيا .

    11 ـ وقوله : (( ثم ذكر الرجل يُطيلُ السفرَ أشعثَ أغبرَ ، يمدُّ يديه إلى السَّماء : يا رب ، يا رب ، ومطعمُه حرام ، ومشربه حرامٌ ، وملبسه حرام ، وغُذِّي بالحرام ، فأنَّى يُستجاب لذلك ؟! )) .
    هذا الكلام أشار فيه - صلى الله عليه وسلم - إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب التي تقتضي إجابَته ، وإلى ما يمنع من إجابته ، فذكر من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة :
    أحدهما : إطالةُ السفر ، والسفر بمجرَّده يقتضي إجابةَ الدعاء ، كما في حديث أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : (( ثلاثُ دعواتٍ مستجابات لا شك فيهن : دعوةُ المظلومِ ، ودعوةُ المسافر ، ودعوةُ الوالد لولده )) .
    ومتى طال السفر ، كان أقربَ إلى إجابةِ الدُّعاء ؛ لأنَّه مَظنِّةُ حصول انكسار النفس بطول الغُربة عن الأوطان ، وتحمُّل المشاق ، والانكسارُ من أعظم أسباب إجابة الدعاء .
    والثاني : حصولُ التبذُّل في اللِّباس والهيئة بالشعث والإغبرار ، وهو - أيضاً - من المقتضيات لإجابة الدُّعاء ، كما في الحديث المشهور عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : (( ربَّ أشعث أغبرَ ذي طِمرين ، مدفوع بالأبواب ، لو أقسم على الله لأبرَّه )).
    الثالث : مدُّ يديه إلى السَّماء، وهو من آداب الدُّعاء التي يُرجى بسببها إجابته، وفي حديث سلمانَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : (( إنَّ الله تعالى حييٌّ كريمٌ ، يستحيي إذا رفع الرجلُ إليه يديه أنْ يردَّهما صِفراً خائبتين )) ، خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه .
    والرابع : الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته ، وهو مِنْ أعظم ما يُطلب به إجابةُ الدعاء . ....
    ـ وعن عطاءٍ قال : ما قال عبدٌ يا ربِّ يا ربِّ يا ربِّ ثلاث مرات ، إلاّ نظر الله إليه ، فذكر ذلك للحسن ، فقال : أما تقرءون القرآن ؟ ثم تلا قوله تعالى : { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ }.
    ـ ومن تأمَّل الأدعية المذكورة في القرآن وجدها غالباً تفتتح باسم الرَّبِّ ، كقوله تعالى : { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } .
    وقوله : { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } . ومثل هذا في القرآن كثير .
    12 ـ وأما ما يمنع إجابة الدعاء ، فقد أشار - صلى الله عليه وسلم - إلى أنّه التوسُّع في الحرام أكلاً وشرباً ولبساً وتغذيةً ، وقد سبق حديثُ ابن عباس في هذا المعنى أيضاً ، وأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لسعد : (( أطِبْ مطعمَكَ ، تَكُنْ مُستجاب الدعوة )) فأكل الحلال وشربه ولبسه والتغذي به سبب موجبٌ لإجابة الدعاء .
    ـ قيل لسعد بن أبي وقاص : تُستجابُ دعوتُك من بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : ما رفعتُ إلى فمي لقمةً إلا وأنا عالمٌ من أين مجيئُها ، ومن أين خرجت .
    وعن وهب بن مُنبِّه قال : من سرَّه أنْ يستجيب الله دعوته ، فليُطِب طُعمته .
    13 ـ وقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( فأنَّى يستجاب لذلك )) ، معناه : كيف يُستجاب له ؟ فهوَ استفهامٌ وقع على وجه التَّعجُّب والاستبعاد ، وليس صريحاً في استحالة الاستجابة ، ومنعها بالكلية ، فَيُؤْخَذُ من هذا أنَّ التوسُّع في الحرام والتغذي به من جملة موانع الإجابة ، وقد يُوجد ما يمنعُ هذا المانع من منعه ، وقد يكونُ ارتكابُ المحرمات الفعلية مانعاً من الإجابة أيضاً ، وكذلك ترك الواجبات كما في الحديث : أنَّ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة دعاء الأخيار ، وفعل الطاعات يكون موجباً لاستجابة الدعاء . ولهذا لمَّا توسَّل الذين دخلوا الغارَ ، وانطبقت عليهمُ الصخرةُ بأعمالهم الصالحةِ التي أخلصوا فيها لله تعالى ودَعُوا الله بها، أجيبت دعوتهم .
     
  2. **أبوعبدالله**

    **أبوعبدالله** مراقب عام مراقب عام

    4,386
    0
    36
    ‏2008-05-28
    معلم
    اللهم أجعلنا من عبادك الطيبين , وطيب أعمالنا
    واجعل كسبنا حلالا طيبا مباركا ....

    أخي الموهوب جزاك الله خيرا
     
  3. لست كما يقولون

    لست كما يقولون مميزة الملتقى عضو مميز

    1,578
    1
    38
    ‏2011-09-09
    معيدة
    جزيت الجنة على هذا النقل ...
     
  4. الموهوب

    الموهوب عضوية تميّز عضو مميز

    440
    0
    0
    ‏2011-05-30
    معلم

    شكراً أبا عبد الله على المرور والتعليق
    بورك فيك
    وطيب الله أوقاتك
     
  5. الموهوب

    الموهوب عضوية تميّز عضو مميز

    440
    0
    0
    ‏2011-05-30
    معلم

    حياك الله " لست كما يقولون "
    والشكر لك على المرور والتعليق
    بورك فيك
    وطيب الله أوقاتك
     
  6. عيوون ساجدة

    عيوون ساجدة مراقبة إدارية مراقبة عامة

    9,225
    0
    36
    ‏2010-03-02
    مـ ع ــــلمه




    [​IMG]