اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1


الديمقراطية والمنطق الأرسطي

الموضوع في 'الملتقى العام' بواسطة ساعد وطني, بتاريخ ‏2013-08-21.


  1. ساعد وطني

    ساعد وطني تربوي جديد عضو ملتقى المعلمين

    107
    0
    0
    ‏2012-05-30
    الأمن الفكري
    يُقال عن المتنبي في ثقافتنا العربية: ملأ الدنيا وشغل الناس، ومع المبالغة الكبيرة عندي في هذه الجملة، والحرج الشديد من أن يكون شاغل الأمة، ومالئ دنياها شاعرا من الشعراء؛ إلا أن شغل الناس عندي يصلح معيارا لتقييم الأمم، ومعرفة أثرها، ودورها في حياة البشر. وحين نأخذ بهذا المعيار سنجد أن أمة الغرب هي الأمة المثالية التي ينطبق عليها هذا في القديم والحديث؛ فقد شغلتنا، وشغلت العالم كله، بفلسفتها ومنطقها في القديم، وهي اليوم تشغلنا أكثر من ذي قبل، فقد أصبحت شجرة المعرفة عندها أكثر إثمارا، وأعظم إنتاجا. وإذا كنا في القديم استطعنا أن نثير بعض الجدل حول منتجاتها، ونشارك في إثراء معارفها، فنحن اليوم لا نستطيع أن نلتقط أنفاسنا في مطاردة ما تُنتجه، وملاحقة ما تتفتق عنه عقليتها؛ فكيف نستطيع في مثل هذه الظروف أن نقوم بالدور الذي قام به بعض أسلافنا في القديم؟

    المنطق الأرسطي والديمقراطية نموذجان حيّان لما شغلتنا به أمة الغرب هذه؛ لكنها شغلتنا بالمنطق الأرسطي في القديم، وهي اليوم، ومنذ عقود، تشغلنا بالديمقراطية.

    الديمقراطية إن كتب لها أن تنتقل - ولا أخالها منتقلة على الأقل في هذا العصر- من أمة الصناعة إلى أمتنا أمة الاستهلاك ستبقى كما كانت، وسيجري عليها ما جرى على المنطق الأرسطي، وهذا معناه أننا لن نأخذها مأخذ الجد؛ لأن ما يأخذه الإنسان مأخذ الجد يضطر لتطويره، وإنعاش الدماء فيه، ونحن إن لم نفعل هذا بعد نقلنا للديمقراطية إلى بيئتنا الثقافية؛ فمعناه أننا لم نؤمن بها حقا
    وإذا كان المنطق الأرسطي أثار جدلا كبيرا، وخلق لكثيرين منا مجالا للحديث، وإبداء الرأي، فالديمقراطية في هذا العصر تصنع الشيء نفسه، وتفتح لنا باباً للحديث؛ لكنه حديث يختلف عن حديثنا حول المنطق؛ لأن الأول معارف حول إدارة المرء تفكيره، والثاني معارف حول إدارة الدولة ومؤسسات المجتمع، وعلى كل حال فهما مثالان دالان على شغل الأمة الغربية لنا، وعلى أننا ما زلنا نعيش دور المشغول بما تُنتجه الأمم؛ لكننا ننسى أو نتناسى أن دور المشغول هو دور المستهلك، وننسى أيضا أن الشاغل المنتج خير مقاما وأعظم حظا.

    كثيرة جدا الأفكار والقضايا التي شغلتنا بها أمة الغرب في هذا العصر، وفي العصور الإسلامية الذاهبة. كنا تقريبا دوما في موقف المنفعل لا الفاعل، وفي مكان المستهلِك لا المنتج، دورنا العالمي في القديم لا يختلف كثيرا عن دورنا في الحديث، ننقل معارف الأمم، ونجر إلى بيئتنا بعضا من ثقافتها، فتخلق صراعا محتدما بيننا، وتزرع جدلا مستمرا. تُغادر تلك الأمم البؤر التي نقلناها عنها، وتسعى في تلافي كل خلل فيها، ونظل نحن نتجادل حول تلك المفاهيم والأفكار كما نقلناها أول مرة، لم نستطع في ظني أن نُحوّل جدلنا هذا إلى سبب من أسباب تطوير تلك المفاهيم والأفكار؛ لأنه جدل عقيم، مداره الارتكاز على القبول المطلق، أو الرفض المطلق، فهو من الأساس منصرف إلى تقديس الشيء كله، أو هدمه كله، ومثل هذه المواقف من الأفكار والأشياء لا تساعد البتة في زراعة ثقافة الحوار، ونشاط قيمة التعارف المعرفي بين الناس (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وتلك للأسف هي حكمتنا منذ قرون، وهي التي جعلتنا نرث التباعد والصراع والاقتتال، ونزكي ثقافتها، نتعلم نظرياً قيم الحوار، ونتدرب على قيمة التعارف بين الأمم؛ لكننا نفشل في أول تجربة، ونخسر في أول لقاء.

    الكمالية والمثالية قضية محورية في ثقافتنا؛ فنحن لا نقبل إنسانا ولا مذهباً إلا وفق تجاوبه مع هذه الكمالية والمثالية؛ وإن لم ينطبق عليه القالب حاربناه، وعددناه شراً، وهذا ما يجعل فكرة التنوع مرفوضة من الأساس في ثقافتنا المذهبية، فأنى لثقافة أو إنسان يعيش على هذه الخطة أن يتطور! وأنّى له أن يقبل بفكرة الديمقراطية، تلك الفكرة التي تقوم على أن تداول الإدارة بين الناس هو السبيل للتطور، والدرب الوحيد للتقدم، وهي التي تنزع من الإنسان فكرة مركزية فهمه ووعيه للأشياء والأشخاص والأفكار، وتنزع منه ادعاءه القدرة وحده على قيادة البلدان، وهداية المجتمعات، وصناعة مستقبلها النير!

    أعطني الشيء كاملا، أعطنيه غير منقوص، إياك أن يتعارض شيء منه مع مذهبي الديني، أو أعرافي أو تقاليدي، فليس في وقتي فسحة أن أتمم بناءه، وأصحح مساره!

    هذا هو خطاب ثقافتنا لكل صاحب فكرة جديدة، إنه خطاب من لا يريد أن يصنع شيئا، أو يشارك في بنائه، فمن ذا الذي يستطيع أن يقنع هؤلاء بالعمل، وهم يعيشون على هذا التصور، ومن ذا الذي سيُقنع أمثال هؤلاء بالديمقراطية التي تقوم على تكامل المختلفين في بناء الدولة، وتقدم المجتمع، ورقي الأمة؟

    الكمالية والمثالية، وطلبهما في الأفكار والأشخاص، تدفعان بنا إلى حالين، لا ثالثة لهما؛ الأولى أن تُطرد الفكرة، ويُهجر الفرد، والثانية أن تُعبد الفكرة، ويُقدس الفرد..

    ومع الاختلاف الشديد في النتيجة هنا وهناك إلا أن أثرها واحد؛ فالمقدس للشيء والكافر به، كلاهما يستوحش من المخالف، وينبذ مبدأ الحوار، ويحارب ثقافة التعارف بين الأمم تراثها وأفكارها، وينقادان معا إلى تجميد الأفكار، وتنتهي الحال بهما إلى تحجرها.

    حلّ المنطق الأرسطي ضيفا على مائدة الثقافة العربية، وكثر حوله الجدل، آمن به أقوام، فجعلوا علوم الآخرين تفتقد الثقة دونه، وحاربه أقوام وصيّروه عبثا من القول غير محمود؛ لكنه في نهاية المطاف أضحى علما حاضرا بصورته القديمة في تعليمنا وثقافتنا اليوم، فتحوّل من علم مختلف فيه إلى علم، لا نقبل تغييره حين امتزج بثقافتنا، فصار غير قابل للمراجعة، وهذا ما نشاهده اليوم في بعض كليات الشريعة التي تُدرس المنطق بصيغته الأرسطية القديمة، تحولٌ عجيبٌ من علم محارَب إلى علم مقدس غير قابل للتطوير، بل ربما لم يخطر في بال من يدرسه أن منتجيه قد تجاوزوه، وأعملوا كعادتهم معول النقد فيه.

    المنطق الأرسطي يوضح طريقتنا في التعامل مع الأفكار والأفراد، فنحن بين حالين؛ قبول مطلق، ورفض مطلق، ليس لدينا طاقة التغيير، وإستراتيجية التطوير، طريقتنا مع المنطق وغيره من ثمار عقول الأمم الأخرى يُجلي لنا صورة أمم الهوامش، تلك الأمم التي تزرع بفعلها في أفرادها أن ليس لها أن تصنع الحدث أو تطوره! وإنما غاية ما تستطيعه هو أن تتولى بحمية الدفاع عن الشيء، أو تتبنى بشراهة محاربته، وتلك هي حالنا مع تراثنا الإسلامي أيضاً؛ إذ ما زلنا نتشاجر حول تراث قديم، لم نستطع تطويره، ولم نملك بعدُ قدرةً على تجاوزه، وكل هذا يشير بوضوح عندي إلى فقرنا في ثقافة المفاوضة، وعجزنا عن صناعة أوساط الحلول، والعلة الكبرى وراء ما يجري هو إيماننا العميق بأننا أمة هامش، تجد نفسها في بناء الهوامش على المتون، وتجيد هي وأفرادها صناعة شروط القبول وضوابط الانتفاع، وترسب أيما رسوب في صناعة المعرفة وإنتاجها، وتغفل عن أن وضع شروط القبول لا يمكن أن يتم دون المرور أولا بمرحلة الإنتاج، ومعاناة ثقافتها؛ لأنها المرحلة التي ستنتج منها حين العيش فيها الصورة المقبولة للقبول والرفض، والآلية الواقعية في الأخذ والطرد، فمن الصعب أن تضع شروط قبولك لإنتاج الآخرين، وأنت لم تدخل بعد مرحلة الإنتاج هذه؛ فالعيش في الشيء جزء رئيس من بناء إستراتيجية الموقف منه.

    حين تراءت لي الصورة التي عليها أمتنا لم أجد غرابة فيما نصنعه نحن الآن، ولم أعجب من تجميد أي منتج ثقافي يلج حمى ثقافتنا، فتلك هي طريقتنا؛ إما أن نبغض الفكرة فنحاربها، وإما أن نعشقها فنجمدها، ونحولها إلى تمثال، يطول بنا زمن الطواف به، وكلا الموقفين، على البون الكبير بينهما، يجتمع في تضييق المساحة على الإنسان، ويحرمه من تأدية أي دور، حاشا دور الهجاء، ودور المدح والتقريظ، وإنسان كهذا لا يملك من الاستعدادات ما يجعله حريا بالعيش في مثل هذا العصر؛ لأنه عصر لم تبرز فيه قيمة ما برزت قيمتا النقد والانفتاح، فهما قيمتان تتدافعان، وتحيي إحداهما الأخرى، وتنشط أُولاهما بثانيتهما.

    الديمقراطية إن كتب لها أن تنتقل - ولا أخالها منتقلة على الأقل في هذا العصر- من أمة الصناعة إلى أمتنا أمة الاستهلاك ستبقى كما كانت، وسيجري عليها ما جرى على المنطق الأرسطي، وهذا معناه أننا لن نأخذها مأخذ الجد؛ لأن ما يأخذه الإنسان مأخذ الجد يضطر لتطويره، وإنعاش الدماء فيه، ونحن إن لم نفعل هذا بعد نقلنا للديمقراطية إلى بيئتنا الثقافية؛ فمعناه أننا لم نؤمن بها حقا، ولم تكن جزءا من ثقافتنا، ومكوناً من مكوناتها، وانتسابنا إليها، وتداعينا للإيمان بها، كانتسابنا إلى المنطق الأرسطي، فهو مجرد انتساب شكلي، لا يسمن ولا يغني من جوع سوى زيادة الأعباء على الذاكرة في تجميع قضاياها، وحيازة مصطلحاتها.

    وأخيرا فليس المذهل في الديمقراطية أن تكون عند كثير من المسلمين وغيرهم أفضل وسائل إدارة الدول؛ لكن المذهل فيها هو الإنسان الذي أنتجها، والمجتمعات التي طورتها، واحتضنت مراحلها، ولم تقف بها على ما كانت عليه في عصورها الأولى، قبل ثلاثة آلاف سنة تقريبا! هذه هي القضية التي يحسن بنا أن نفكر فيها، ونعجب منها؛ إذ العجب من المنتِج لا المنتَج! هو الذي يعرفنا على نقصنا، ويظهر لنا عيوبنا الثقافية، وبه تتضح المشكلة التي نعاني منها، فليست مشكلتنا في عدم اتصالنا بالأمم الأخرى وثقافاتها، وإنما المشكلة أننا لم نوفر الجو الذي يتحرك فيه هذا المسلم، ويسمح له بتوسيع دائرة أسئلته، فهو محكوم منذ قرون بموقفين، لا يجد سبيلا لسلوك غيرهما، الرفض المطلق والقبول غير المشروط، ومع هذه القاعدة الصلبة الراسخة في عقولنا تجدنا نتحدث عن الحياد، ونُرغّب الناس فيه..

    وهذه الطريقة في النظر إلى المناهج والأفكار والأشخاص منهج عام لنا، وأسلوب راسخ فينا، نلجأ إليه دوما، سواء أكان الموضوع الديمقراطية أم كان قضية أخرى من قضايا المعرفة، فليست مشكلتنا مع الأمم في بعضٍ مما تُنتجه، وفي قليل مما ترمي به إلينا، بل قضيتنا أن الرفض تحول عندنا إلى منهج، والممانعة صارت فلسفتنا، فصار علينا أن ننشغل في تفسير هذه الحال عن تفسير رفض ذلكم المنهج، أو تلكم الفكرة؛ إذ التحدي أعظم من أن نناقش قضية كالديمقراطية، أو مسألة كالمنطق الأرسطي.

    ولم يكن العجب في المنطق والفلسفة التي شغلتنا في القديم، بل العجب حقاً من الإنسان الذي أنتج تلك الشواغل لأمثالنا، وانفرد في تطويرها، وتبعيج مفاهيمها على حين بقينا نحن عُزّلاً إلا من تقمص دور الحاكمية في الموقف من الثقافات ونتاجاتها، والإنسان وآرائه.

    إبراهيم بن سليمان المطرودي
    نقلآ عن جريدة الرياض