اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1


المنتقى من جامع العلوم والحكم ( 16 ) " شرح حديث : " لا تغضب "

الموضوع في 'الملتقى الإســلامي' بواسطة الموهوب, بتاريخ ‏2014-02-07.


  1. الموهوب

    الموهوب عضوية تميّز عضو مميز

    440
    0
    0
    ‏2011-05-30
    معلم
    الحديث السادس عشر
    عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - أنَّ رَجُلاً قالَ للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : أوصِني ، قال : (( لا تَغْضَبْ )) فردَّد مِراراً قال : (( لا تَغْضَبْ )) . رواهُ البُخاريُّ .الشرح :
    1 ـ هذا الرجلُ طلب مِن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُوصِيهَ وصيةً وجيزةً جامعةً لِخصال الخيرِ ، ليحفظها عنه خشيةَ أنْ لا يحفظها ؛ لكثرتها ، فوصَّاه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ لا يغضب ، ثم ردَّد هذه المسألة عليه مراراً ، والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يردِّدُ عليه هذا الجوابَ ، فهذا يدلُّ على أنَّ الغضب جِماعُ الشرِّ ، وأنَّ التحرُّز منه جماعُ الخير .
    2 ـ قولُه - صلى الله عليه وسلم - لمن استوصاه : (( لا تَغْضَبْ )) يحتَمِلُ أمرين :
    أحدُهما : أنْ يكونَ مرادُه الأمرَ بالأسباب التي توجب حُسْنَ الخُلُقِ من الكرم والسخاء والحلمِ والحياء والتواضع والاحتمال وكفِّ الأذى، والصفح والعفو، وكظم الغيظ ، والطَّلاقةِ والبِشْرِ ، ونحوِ ذلك من الأخلاق الجميلة ، فإنَّ النفسَ إذا تخلَّقت بهذه الأخلاق ، وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه .
    ـ والثاني : أنْ يكونَ المرادُ : لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حَصَل لك ، بل جاهد نفسَك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به ، فإنَّ الغضب إذا ملك ابنَ آدم كان كالآمر والناهي له ، ولهذا المعنى قال الله - عز وجل - : { وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ } فإذا لم يمتثل الإنسانُ ما يأمره به غضبُه ، وجاهد نفسه على ذلك ، اندفع عنه شرُّ الغضب ، وربما سكن غَضَبُهُ ، وذهب عاجلاً ، فكأنَّه حينئذٍ لم يغضب ، وإلى هذا المعنى وقعت الإشارةُ في القرآن بقوله - عز وجل - : { وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ } ، وبقوله - عز وجل - : { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } .
    3 ـ في " الصحيحين " عن أبي هُريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : (( لَيْسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ ، إنَّما الشَّديدُ الَّذي يَملِكُ نَفْسَهُ عندَ الغَضَبِ )) .
    4 ـ قال عمرُ بنُ عبد العزيز : قد أفلحَ مَنْ عُصِمَ من الهوى ، والغضب ، والطمع .
    5 ـ قال الحسن : أربعٌ من كُنَّ فيه عصمه الله من الشيطان ، وحرَّمه على النار : مَنْ ملك نفسَه عندَ الرغبة ، والرهبة ، والشهوةِ ، والغضبِ .
    6 ـ فهذه الأربع التي ذكرها الحسن هي مبدأ الشرِّ كُلِّه ، فإنَّ الرغبةَ في الشيء هي ميلُ النفس إليه لاعتقاد نفعه ، فمن حصل له رغبةٌ في شيءٍ ، حملته تلك الرغبة على طلب ذلك الشيء من كل وجه يَظُنُّه موصلاً إليه، وقد يكون كثير منها محرماً ، وقد يكون ذلك الشيءُ المرغوبُ فيه مُحرَّماً .
    والرهبة : هي الخوفُ من الشيء ، وإذا خاف الإنسان من شيء تسبب في دفعه عنه بكلِّ طريق يظنه دافعاً له ، وقد يكون كثير منها محرَّماً .
    والشهوة : هي ميلُ النفس إلى ما يُلائمها ، وتلتذُّ به ، وقد تميل كثيراً إلى ما هو محرَّم كالزنا والسرقة وشرب الخمر ، بل وإلى الكفر والسحر والنفاق والبدع .
    والغضب : هو غليانُ دم القلب طلباً لدفع المؤذي عندَ خشية وقوعه ، أو طلباً للانتقام ممن حصل له منه الأذى بعدَ وقوعه ، وينشأ من ذلك كثيرٌ من الأفعال المحرمة كالقتل والضربِ وأنواعِ الظلم والعُدوان ، وكثيرٍ من الأقوال المحرَّمة كالقذفِ والسبِّ والفحش ، وربما ارتقى إلى درجة الكفر ، كما جرى لجبلة بن الأيهم ، وكالأيمان التي لا يجوزُ التزامُها شرعاً ، وكطلاق الزوجة الذي يُعقب الندمَ .
    7 ـ والواجبُ على المؤمن أنْ تكون شهوتُه مقصورةً على طلب ما أباحه الله له ، وربما تناولها بنيةٍ صالحةٍ ، فأثيب عليها ، وأنْ يكونَ غضبه دفعاً للأذى في الدين له أو لغيره وانتقاماً ممن عصى الله ورسولَه ، كما قال تعالى : { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ }.
    8 ـ وهذه كانت حالَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فإنَّه كان لا ينتقِمُ لنفسه ، ولكن إذا انتهكت حرماتُ الله لم يَقُمْ لِغضبه شيء ولم يضرب بيده خادماً ولا امرأة إلا أنْ يجاهِدَ في سبيل الله . وخدمه أنس عشرَ سنين ، فما قال له : (( أفٍّ )) قط ، ولا قال له لشيء فعله : (( لم فعلت كذا )) ، ولا لشيء لم يفعله : (( ألا فعلت كذا )) .
    9 ـ وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى، أو سَمِعَ ما يكرهه الله، غَضِبَ لذلك، وقال فيه، ولم يَسْكُتْ، وقد دخل بيتَ عائشة فرأى ستراً فيه تصاويرُ، فتَلَوَّنَ وجهُهُ وهتكه، وقال: ((إنَّ مِنْ أَشدِّ النَّاسِ عذاباً يومَ القيامةِ الَّذينَ يُصوِّرُونَ هذه الصُّورَ)). ولما شُكِيَ إليه الإمامُ الذي يُطيل بالناس صلاته حتى يتأخرَ بعضهم عن الصَّلاة معه، غَضِبَ، واشتد غضبُه، ووَعَظَ النَّاسَ ، وأمر بالتَّخفيف .
    10 ـ وكان من دعائه - صلى الله عليه وسلم -: ((أسألك كَلِمَة الحقِّ في الغضب والرِّضا)) ، وهذا عزيز جداً، وهو أنَّ الإنسان لا يقول سوى الحقِّ سواء غَضِبَ أو رضي، فإنَّ أكثرَ الناس إذا غَضِبَ لا يَتوقَّفُ فيما يقول.
    11 ـ وقد روي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ((أنَّه أخبر عن رجلين ممن كان قبلنا كان أحدُهما عابداً، وكان الآخرُ مسرفاً على نفسه، فكان العابدُ يَعِظُهُ، فلا ينتهي، فرآه يوماً على ذنبٍ استعظمه، فقال: والله لا يَغفِرُ الله لك، فغفر الله للمذنب، وأحبط عملَ العابد)) .
    ـ وقال أبو هريرة: لقد تكلَّم بكلمة أوبقت دنياه وآخِرتَه، فكان أبو هريرة يُحَذِّرُ الناسَ أنْ يقولوا مثلَ هذه الكلمة في غضب. وقد خرَّجه الإمامُ أحمد وأبو داود .
    ـ فهذا غَضِبَ لله، ثم تكلَّم في حال غضبه لله بما لا يجوزُ، وحتم على الله بما لا يعلم، فأحبط الله عمله، فكيف بمن تكلَّم في غضبه لنفسه، ومتابعة هواه بما لا يجوز.