اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1


قصتي المجنونة " المريـــال" !!

الموضوع في 'ملتقى بــوح الأقــلام' بواسطة سعيد آل شاكر, بتاريخ ‏2014-06-26.


  1. سعيد آل شاكر

    سعيد آل شاكر عضو مجلس إدارة الموقع عضو مجلس الإدارة

    3,369
    4
    38
    ‏2011-04-08
    معلم
    قصة " المـــريــــال "
    سعيد سعد
    في يوم ما من أواخر أيام شهر يونيو شديد الحرارة بمدينة جدة، كان الإرهاق قد بلغ مني مرحلة عليا، فما كدت أخرج من تلك المشكلات اليومية التي تواجهني في العمل، وافتح باب سيارتي لأدير المحرك وانطلق مسابقاً الريح حتى أنا قسطاً من الراحة قبل أن يؤذن لصلاة العصر، إلا أن سيارتي كالت لي بمكيالين فمكيف الهواء تعطل كعادته في فصل الصيف، أنزلت زجاج النوافذ فانطلقت ثم انعطفت يميناً كالمعتاد من ذات الطريق الذي أسلكه كاليوم، والذي لم يعد يشدني فيه أي شيء، حتى أني لا أبالغ عندما أقول قد أكون أعرف السكان الذين يسكنون على هذا الشارع، والعاملين في الدكاكين التي على ناصيته، ولكن هذا اليوم كان مميزاً فبينما كنت منشغلاً بمكالمة هاتفية هامة، لفت انتباهي سيارة سوداء كبيرة، كادت أن تصطدم بمقدمة سيارتي لحظة تهيؤ قائدها للوقوف، تمهلت لكي أرى ما الذي جعله يسير بهذه السرعة في مثل هذا الشارع الصغير، ولا أعلم كيف جاءت لي بوادر الفضول لأتوقف بمركبتي غير بعيد عنه، وما استقرت سيارته الكبيرة إلا وترجّل من الباب المجاور للسائق شاباً قوي البنية ذو شعر أسود مجعد، ولحية صغيرة أسفل الذقن، ليفتح الباب الخلفي ويحمل رجلاً طاعناً في السن ليضعه أسفل الشجرة التي توقف بجانبها، وأسرع إلى مقعده لينطلق السائق بعد أن سمعت صوت احتكاك الإطارات بالأسفلت.
    نزلت مذعورا متجهاً إلى هذا الشيخ، فطرحت عليه أسئلة لم يكن القصد منها سوى الفضول والعلم بالشيء فقط، فأخبرني أولاً أنه مريض، وقال لي أن هؤلاء أولاده الذين تركوه في هذا الحر القاتل، فطلبت منه أن يصعد إلى سيارتي واعتذرت منه لعطل مكيف الهواء، فابتسم وأبدى عدم اهتمام بذلك وقال " لا بأس إن كنت ستحملني"، اتجهت به إلى مستشفى الملك فهد فسألني إلى أين ستذهب بي، أخبرته بما أنوي عمله، وطلب مني أن أذهب به إلى مشفىً آخر لا زحام فيه، ويكون قريب، ففكرت فإذا بأقرب المستشفيات إلى الأطباء المتحدون بحي الحمراء، فأطلقت العنان لسيارتي التي كانت لا تسير بسرعة كبيرة، وإن فعلت فهي تهتز وكأن زلزالاً أصابها، حتى إنني أشك في أن رختر يستطيع أن يحدد مقدار الاهتزاز، المهم وصلنا إلى المستشفى وقد بلَّ العرق ثيابنا، وجباهنا تقطر ماءً مالح الطعم، دخلنا إلى الطوارئ وطلبوا مبلغاً من المال لقاء الكشف، فخجلت أن أذهب إلى الرجل لكي أطلب منه الدفع، فبادرت إلى المائتي ريال التي استدنتها من زميلي عمر قبل ساعتين فقط، لأكمل بعض النواقص في احتياجات أبنائي المدرسية، فقلت تزيدني ولا تنقصني، ويرد الله بها عني شراً إن شاء الله، فذهبت إليه بعد أن وضعوا له بعض المغذيات والأدوية، نظر إلي وسألني: هل لديك جهاز نقال؟ أجبته بنعم، فقال : أعطني الهاتف الخاص بك، أخرجته من جيبي وناولته إياه، بعد أن فتحته له، أخذ يضغط على بعض الأرقام فاتصل وطلب مني أن أصف للذي اتصل به اسم ومكان المشفى ففعلت.
    وما هي إلا عشر دقائق بالتحديد إلا وحضر، رجل متأنق ووضح عليه أنه ذو وظيفة راقية وراتبها عال جداً، فسلم عليه وأمطره بأسئلة كيف؟ ولماذا ؟ وأين ؟، قاطعت الأسئلة والإجابات، فاستأذنت الرجل بالمغادرة، فاعتذر مني لأنه لم يعرفني على الرجل الذي جاء، فأخبرني أنه المحامي، فقلت : لا بأس، اسمح لي بالانصراف فلقد انتهى دوري الآن، فقال لي انتظر، والتفت إلى المحامي فسأله عن الجهاز، وأنا لا أعلم أي جهاز يقصد، فأخرج المحامي جهازاً من حقيبة صغيرة كان يحملها وفتحه، وقال للرجل : هذا الجهاز فبم تأمرني، فقال الشيخ : حوّل من حسابي لحساب هذا الشاب مليار ريال فقط ولا تزيد، رد المحامي : حسناً وطلب مني رقم حسابي في أي بنك، تملكتني الدهشة والاستغراب، فصرت كأنني أهذي: ماذا تقول ؟ مريال !! ريال !! من ريال !!
    فأغمي علي من هول ما سمعت، وبعد ساعة استفقت ووجدت اتصالات على هاتفي لم ألق لها بالاً، فطلب مني رقم حسابي وبعد أن خف وقع الصدمة والدهشة والاستغراب، كتبته له في ورقة وتركته عنده وخرجت من الغرفة، وجلست في استراحة قريبة منها، وما هي إلا أقل من نصف دقيقة لتصلني رسالة على هاتفي بأنه " تم إيداع مبلغ مليار ريال في حسابك"، فابتسمت وقلت في نفسي لعل الدنيا ستبتسم لي أخيراً، لم أعرف أني بقيت في الاستراحة لمدة نصف ساعة بعد أن وصلتني رسالة البنك، فاتجهت إلى الباب بهدوء وبإبحار في الخيال عاصف بالأمنيات التي ستتحقق، فلقد كنت أقول سأشتري كل شيء، سأغير سيارتي بل سأشتري معرضاً مليئاً بالسيارات، وسأغير بيتي بل سأشتري قصراً.
    وبينما سيل الأماني لا يزال يتدفق بالأفكار والخيال يستطرد في طرح الرؤى، اصطدم بي رجلاً عريض المنكبين، يشبه ذلك الوصف الذي أطلقه عادل إمام على أحد الماثلين أمام المحكمة لمحاكمته، فقال لي " أنت سعيد ؟ " فقلت بكل فخر نعم أنا هو، فقال : هل ترى تلك السيارة السوداء الكاملة والكبيرة؟ ، فقلت نعم، إنها جميلة، وقال : إذا هيا بنا لننطلق في نزهة.
    حاولت الاعتذار مبرراً ذلك بتعبي الشديد مما رأيت، فطلب مني التوجه للسيارة دون نقاش، وإلا سيستعمل القوة ولكنه لا يريد شوشرة علي خاصة في مجال عملي، وأنا أحب عملي، فتقدمت للسيارة وما أن فتح الباب لأركب حتى غبت عن الوعي، ولم أفيق إلا في غرفة مظلمة على كرسيٍ وطاولة أمامي وأمامي مصباحٌ، يشبه ذلك الذي في مكتب رئيس القسم.
    مرت ساعة واثنتين ونصف الثالثة، وبعدها أضيئت مصابيح الغرفة، وتفاجأت برجل يجلس أمامي، بنفس طولي حينما أقف، وعليه أشياء كثيرة على كتفه، لو حملتها لم استطعت المشي، كان هاتفي النقال بيده ينظر إليه ويتبسم ابتسامات صفراء، أكاد أقرأها على وجهه، قال لي : لو أن راتبك عشرين ألفاً، وتدخره بالكامل لعشر سنوات لما حصلت على هذا المبلغ، فمن أين لك هذا ؟
    فقلت كعادتي في محاولاتي الكثيرة لإسكات من يحاول أن يكثر من الأسئلة، هو من عند الله.
    قال: كل شيء من عند الله، ولكن هناك من حول لك المبلغ.
    قلت : نعم ولكن هو من حول ولم أجبره.
    قال : هل هو نصيبك من تجارة مخدرات أو غسيل أموال.
    فسردت له القصة كاملة بكل تفاصيلها بدءاً من تعطل مكيف السيارة وحتى لقائي بذلك الرجل الذي أركبني سيارته وأحضرني إلى هنا..
    لم يجب فقام من كرسيه لينصرف ويتركني، مضت ساعة منذ رحيله فتململت واتجهت إلى الباب، فأمسكت بالمقبض بقوة، ولاحظت أن الباب فتح بسهولة، نظرت في الرواق الذي كان يفتح عليه باب الغرفة يمينا ويساراً، فاجأني شرطي أمسك بيدي، وطلب مني أن أمشي معه، حتى أدخلني على مكتب الضابط مختار، والذي بدوره قام بتقديم الماء لي وطلب مني الجلوس فجلست، وطلب من الشرطي الخروج فخرج.
    قال لي : كم نصيبي من المليار، وتخرج من هنا كريماً وبيدك خطاب اعتذار.
    قلت : يا سيدي لم أستلم ريالاً واحداً فكيف أعطيك، أخرجني من هنا، وسأبحث عن الرجل الذي وهبني المال وأعيده إليه.
    قال : هل أنت مجنون ؟ ألا يكفيك ربعها ؟
    قلت : لا
    قال : حسناً نصفها ؟
    قلت : لا .
    فقال : ثلاثة أرباعها إذاً .
    قلت: إما أن أعيدها، أو لا أهب منها ريالاً.
    فضغط زراً على طاولته، ليدخل ذلك الشرطي والذي نقلني بدوره إلى سجن قبعت فيه وحيداً لعدة أسابيع.
    وبعد الأسابيع الأشد ثقلاً علي في حياتي، استدعاني مختار مرة أخرى ليخبرني أن اليوم موعد جلسة المحاكمة وعلي التوجه برفقة السيارة الخاصة لهذه الأغراض، فقادني الجند كما يقاد المجرمين، حتى دلفوا بي إلى القاضي الذي لم يكن بأفضل حالاً من مختار، لأنه طلب مني التصديق على اعترافات على لساني كُتبت في محضر التحقيق، إلا إنني رفضت، وأعادوني للسجن لأبقى أسبوعاً آخر، لقيت فيه أشد أنواع العنف بتوصية من مختار الذي عرفت نواياه.
    وبعد أسبوع أعادوني لنفس القاضي، وحينما رآني قال لي : هل عدت إلى رشدك، فقلت : لم أرحل عنه حتى أعود إليه، ورشدي يقول: أني لم أفعل ولم أكتب ولم أقول أي كلمة مما ورد في محضر التحقيق، فقال لي : ستعود إلى السجن وستبقى لوقت أطول، قلت : أعدني ولن أبدل أقوالي وإن قتلتني بلا حكم.
    كل هذه الأحداث تدور، ولا أحد من أهلي يعلم عنها شيئاً، حتى أنهم بحثوا في كل مكان عني ولكن لم يجدوني، وكل منهم توقع توقعاً بحسب ما تمليه عليه عواطفه، فزوجتي كانت تقول : تركنا لوحدنا ولم يأت إلينا، لعل امرأة أخرى دخلت حياته فتزوجها ونسينا، أو لعله مات ولهذه أهون علي من الأولى، أما الأولاد فكانوا يتساءلون متى سيأتي أبي لكي يعطينا الحلوى ويذهب بنا إلى النزهة كعادته في كل إجازة نهاية أسبوع، أما والدتي ووالدي فكانا يشعران بأنني لا زلت حياً وقريباً منهما، ولكن هناك أمراً لا يدركوه.
    وحينما تم إعادتي للسجن طلبت في اليوم التالي استخدام هاتفي النقال، فسمح لي بأن أستخدمه لاتصال واحد ولمدة دقيقة واحدة وبعدها أغلقه، وحينما فتحت الجهاز وجدت أول رقم فتذكرت ذلك المحامي الذي طلب مني الرجل التحدث إليه في ذلك اليوم، فتزاحمت بداخلي القرارات، هل اتصل لأطمأن أهلي وأني بخير، أم أتصل على المحامي لأطلب منه أن ينقذني من هذه الورطة، فقررت أخيراً أن أتصل على المحامي، الذي تأخر في الرد، وكانت كل ثانية تمر علي كأنها قرن من الزمن، وأخيراً رد وقال السلام عليكم، فقلت : وعليك السلام، أنا ذلك الشاب وقعت في ورطة بسبب ذلك المليار وأنا الآن في سجن لا أعلـــ...
    التقط مني الضابط جهازي قبل أن أكمل، وقال : لقد انتهت الدقيقة، ونادى ذلك الجندي ليعيدني إلى زنزانتي التي اعتدت عليها.
    أصبحت لا أعلم تاريخ اليوم ولا كم مضى من اليوم، أفي ليل أنا أم في نهار، ولكن كلما غلبني النوم نمت فسميت ذلك الليل، وفترة استيقاظي اسميها نهاراً..
    وبعد يومين جاء إلي أحد الجند ليخبرني أن هناك شخص يريد لقائي، ففرحت بل كدت أطير من الفرح، ورغم أن القيود كانت تحيط بيديّ وقدميَّ، إلا أنني حينها لم أكن أشعر بها، ولما دخلت إلى مكتب مختار، وجدت المحامي أمامي، فبكيت من شدة الفرح وقلت الحمد لله أخيراً رأيتك.
    فقام إلي و ربّت على كتفي، وطلب من الضابط أن يتركنا لوحدنا، ففعل، وأخبرته بكل شيء بالترهيب والترغيب والتعذيب وذلك القاضي العجيب، فقال لي: أمهلني فقط بضعة أيام لأخرجك من هنا سليماً معافى.
    سألته : ولكن كيف عرفت أني هنا ؟
    قال : أنسيت أني محامي، وأخبرتني أنك في السجن، فكم سجناً في المدينة.
    قام من كرسيه ليذهب، وجاء العسكري ليأخذني، وبعدها بثلاثة أيام خرجت بكفالة إحضار وغرامة مالية دفعها المحامي.
    اتصلت على أمي بعد خروجي وما أن سمعت صوتي حتى أجهشت بالبكاء، ولم استطع أن أكلمها أكثر من أن أقول أنا بخير، واتصلت على زوجتي التي فرحت باتصالي ولكنها بادرتني بأسئلتها المعتادة : أين كنت ؟ ومع من ؟ ولماذا ؟ وكيف ؟، لم يكن كلها مهمة لديها كالسؤال الثاني، فاعتذرت عن مواصلة الحديث، واعداً إياها بتفسير غيابي بالتفصيل الممل.
    مررت بوالدي ووالدتي وسلمت عليهما ومكثت عندهما ما شاء الله لي أن أمكث، فانطلقت إلى منزلي، ليستقبلني أهل بيتي بالأحضان واستقبلهم بالدموع، فطلبت مني زوجتي أن ارتاح قليلاً، لكي أروي لها تفاصيل غيابي لمدة تقارب الشهرين عن البيت.
    وبعد بضعة أيام، اتصل علي المحامي فبشرني ببراءتي وسجن مختار والقاضي بعد فصلهما، ولي الحق الكامل في التصرف في المليار الذي وهبني إياه الشيخ رحمه الله، وقال لي " لقد توفي العم عباس، وأوصى قبل أن يتوفاه الله، بأن أطلب منك وألح عليك في الطلب بأن تتزوج ابنته ليلى"، فقلت : حسناً سأفكر في الأمر..
    طبعاً زوجتي لم تكن الأرض تسعها بعد أن علمت بأني أصبحت من الأثرياء، ستتغير حياتنا للأفضل، وسنسافر وسنستبدل هذا البيت بقصرٍ فسيح، نحيطه بالورد ونزرع فيه أشجار الزيزفون.
    دخلت عليها الغرفة، فوجدتها تحدق للسقف والابتسامة تعلو محياها، فدلفت إلى الموضوع الكارثي مباشرة دون مقدمات، لأنها ذات نظام بصري ولا تحب الكثير من الكلام، بل تريد الموضوع المهم فقط من المتكلم، فقلت لها : ماذا ترين لو أن الرجل الذي وهبني المال، عاد إلى الحياة وطلب مني أمراً، هل تؤيدي أن أقدمه له بنفس طيبة، قالت : نعم بل وسأقدمه أنا معك، فقلت : إذا ذلك الرجل قبل أن يموت أوصى بأن أتزوج ابنته الوحيدة ليلى.
    تغير الوجه، فاصفر واحمر وتقهقرت الابتسامة، وظهرت بقعة بنفسجية اللون تحت العينين، واحمراراً فيهما، قالت : نعم..وإن عاد للحياة مليار مرة، أعد إليه ملياره الآن أو ارمها في البحر.
    قطعت حديثها وقلت حسناً حسناً، سأعود إليك، فخرجت من المنزل واتصلت على المحامي وأخبرته بما حدث، وأني حريص على بيتي وأولادي، فقال: لقد أخبرتها بوصية أبيها وأبدت موافقتها مبررة ذلك بأن أبيها سيختار الأصلح لها في كل الأحوال، ولكني سأخبرها القصة وأتصل بك.
    وبعد أن هبط المساء، وأنا أجلس في إحدى المقاهي الشعبية على شاطئ البحر، انظر لهاتفي الذي أوصلته بالكهرباء، انتظر رد المحامي برضا ليلى على أني لا رغبة لي بالزواج منها، فلعلها ليست على قدر من الجمال،أو لعلها عانس أراد أبوها أن يطمئن على مستقبلها بعد أن يموت.
    وقطع اتصال المحامي حبل أفكاري، رددت بسرعة وقال : لقد طلبت مني أن أطلب منك أن تزودها برقم زوجتك، كي تكلمها.
    فرفضت وطلبت منه أن يخبرني ما قصتها وما قصة أبيها، فقال: هل تعرف من الذي وضع العم عباس رحمه الله على الرصيف، أنهما اثنين من أبناءه بعد أن وزع على كل واحد منهم ثلاثين مليون ريال، ظنوا بأن ثروته كلها مائة وخمس وثلاثين مليون فقط، وإلا فثروته تتجاوز العشرين مليار ببضع مئات الملايين، وليلى ابنته الوحيدة، ووضع ثقته فيك حينما رآك تقف معه وأنت لا تعرف من يكون، بل لمجرد أنك شهم نبيل وجدت رجلاً شيخاً بحاجة إليك فلم تتخل عنه، وبالتأكيد لن تتخلى عن ابنته التي يحاول أخوتها أن ينهبوا نصيبها مما وزع عليهم، ويضيقوا عليها عيشها، ولا يمدوا لها يد الاهتمام.
    فأعطيته رقم هاتف زوجتي وبعد نصف ساعة، اتصلت زوجتي ترعد وتهدد وتتوعد، وتقول : هل وصلت بك الجرأة لتعطيها رقمي، إذا كانت هي السجن، وبدأت تكيل الاتهامات، وكل ما يتبادر إلى الذهن من الكلام ذي العيار الثقيل، أغلقت الهاتف ولا زالت تتكلم.
    فاتصلت بالمحامي، وأخبرته ما كان من أمر زوجتي، وقال : لم تتحدث زوجتك كثيراً مع ليلى، فقط عرفتها بنفسها فما كان من زوجتك إلا أن أغلقت هاتفها، فاعتذرت من المحامي عن إكمال الاتصال لشعوري بضيق شديد، ومزاجي كان سيئاً للغاية، وما هي إلا لحظات، واتصال آخر على هاتفي من رقم غريب، قلت : مرحباً، فإذا بصوت أنثوي لم أسمعه من قبل، فألقت السلام، ورددت التحية، وسألتها من أنتي ؟ فقالت أنا ليلى، وأريد أن أزور زوجتك في المنزل، أرجو أن تزودني بالعنوان.
    فقلت لها : هل جننتي، ستقتلك قبل أن تعرفي بنفسك.
    قالت : لا عليك، أنا أتحمل مسؤوليتي كاملة، وسأكتب ورقة تنازل تجدها عند المحامي.
    وافقت أخيراً، وأعطيتها العنوان وقررت النوم خارج المنزل الليلة، وإغلاق هاتفي.
    أيقظني اتصال من ليلى عن الفجر، أخبرتني أنها زارت زوجتي وقابلتها بالرفض وعدم قبول الفكرة لا شكلاً ولا مضموناً.
    فقالت لي : ذهبت مع السائق إلى منزلك، فحملني إلى الدور الثالث، قاطعتها " حملك " ، نعم حملني فأنا لا أستطيع السير لأن أطرافي السفلى لا تتحرك، وكذا يدي اليسرى أيضاً.
    حمل قبلها كرسيي المتحرك إلى الطابق الثالث، ودخلت به إلى داخل المنزل، لم تعرفني واستغربت من حضوري لمنزلها، وظنت أني عائلة صاحبة حاجة، كالمالٍ أو الرعاية، فأوضحت لها أني أريدها في أمر هام لا علاقة له بما وضعته من انطباع تجاهي، سكبت لي كأساً من العصير وأحضرته لي، وبدأت في سرد حكايتي وما أن وصلت إلى وصية والدي وأني ليلى، قامت وقالت : انتهى النقاش هنا وطردتني من المنزل.
    قلت : اسمعي يا ليلى، وصية والدك غالية علي ولكن بيتي أريده، وأريد استمرار أسرتي، ولا أحب أن تذهب سنين حاولت أبنيها على قدر حالي جفاء وهباء لسبب أو لآخر، أستطيع تطليقها ولكني أريدها وأريد أبنائي..
    بكت ليلى حينها، واعتذرت وأغلقت الهاتف، لأتصل بالمحامي وأخبره بما دار، وأطلب منه صرف النظر عن الموضوع.
    عدت إلى منزلي عصر اليوم التالي، فوجدت زوجتي في استقبالي، متزينة بأحسن اللباس، ومتعطرة بأزكى العطور، وأبناءنا في غرفهم يذاكرون أو يلعبون.
    ابتسمت وأخذتني بيدي إلى غرفتنا وأجلستني على السرير، فقامت إلى مصابيح الغرفة وأغلقتها وعم الظلام، وقال " سأكون هنا بعد لحظات"، استغربت ردة الفعل ولكن قلت لعلها تحاول أن تحسن العلاقة التي توترت فيما بيننا، لم أكن أرى شيئاً في الغرفة، فدخلت بسرعة وأغلقت الباب، واقتربت تهمس همساً بكلمات رقيقة وحانية، وكان هرمون السعادة في القلب يرتفع، والراحة النفسية تنعكس على الجسد بروية، وفجأة شعرت بوخزة قوية في أحد الأعضاء المهمة في الجسد فصرخت بقوة وكنت أشعر بالدم ينزف بغزارة، كأن العملية كانت سريعة، وما أن صرخت حتى عالجتني بماء حارق على وجهي، ركضت باتجاه مفاتيح الإضاءة لتفتحها، وقال : الآن تزوج إن أردت، وأنا أصرخ ولم يكن يهمها صراخي وتألمي، فخافت أن أموت فيقتلونها واتصلت على أخيها ليحضر إلى المنزل بسرعة، وكأني أسمعها تقول له " تعال إلى البيت لقد قتلته ، قتلته، قتلته " .
    خرج أولادي من غرفهم على الصراخ، فتوسلت إليها أن تغلق باب الغرفة كي لا يراني أبنائي فيفزعوا ويكرهوها.
    فحضر صهري للمنزل بعد أن اتصل بالإسعاف ليحملني إلى أقرب مشفى، وفعلاً حضرا بنفس التوقيت، وفتح باب التحقيق، وتم اتهام زوجتي بتشويه وجهي ومحاولة قتلي، وجاء إلي أهلها يطلبون أن أتنازل عنها، ففعلت ولكن اشترطت أن لا تطلب رؤية أبنائي، وأن لا تدخل جدة ما بقيت على قيد الحياة، فوافقوا ووقعت ورقة التنازل وانصرفوا..
    مكث صهري مرافقاً معي في المشفى حتى تماثلت للشفاء، وكان بيننا صداقة وود واحترام وكل ما تعنيه الأخوة من معان سامية ونبيلة، وكان كل ما اعتذر، أقول له : لن تقوى امرأة على تغيير ما بين الرجال من عهود الصداقة ومواثيقها.
    خرجت من المستشفى، واتصلت بليلى لأخبرها بأني أرغب الزواج بها، وسألتني عن زوجتي فقلت لم نتفق وانفصلنا، أرادت أن تعرف أكثر، فقلت : هي غريبة الآن ولا أحب أن أتكلم عن الغرباء.
    تم الزواج وأدخلت ليلى إلى البيت، فلقد اشتريت قصراً باهياً فسيحاً وكان أولادي لا يطلبون أمراً إلا وينفذ لهم، وبنيت لوالدي قصراً ووفرت له سيارة واستقدمت له سائقاً وكل يوم أزوره برفقة أولادي وليلى، وفي يوم من الأيام أدهشتني ليلى بطلبها أن أرد زوجتي الأولى عبير، ذلك لأنها تشعر بأنها وراء كل ما حصل لي وكانت سبباً في انفصالنا، لأني أخبرتها القصة حتى لا أتحرج أمامها في بعض الأمور الزوجية.
    فاقتنعت بالفكرة ولكن طلبت من ليلى أن تطلب من عبير ذلك، فرفضت عبير الفكرة، وما كان مني إلا أن أتصل بأخيها وأبيها وأطلب عودتها إلى البيت، فهي إلى الآن لم تطلق ثلاثاً ويجوز لي إعادتها.
    أجبرها والدها على العودة مجدداً إلى المنزل، ولكنه قصر فيه من الخدم والحشم وكل ما كانت تتمناه عبير وفرته لها في غرفتها وحديقتها.
    وفي إحدى الأشهر، سافرنا جميعاً إلى إحدى الدول الأوروبية، وكانت مفاجأة للجميع، حيث لم يعلموا أننا نقصد السفر لأي دولة كانت.
    وبعد وصولنا بيومين في إحدى الليالي وبينما كنت نائماً استعد لإجراء عملية تجميل وجهي الذي شوهته عبير بالحمض الحارق، استيقظت على صراخ الممرضة التي كانت ترافق ليلى، وقلت : ما بك ؟ فقالت : ليلى ترتجف وحرارتها مرتفعة، فاتصلت على الإسعاف الذي حملها إلى المستشفى، ولم يأت الصباح حتى أعلن وفاة ليلى رسمياً.
    كانت عبير نائمة وتستعد لنزهة أخرى بعد أن تطمئن على نجاح العملية، وتفاجأت بوجودي في المنزل، فأخبرتها بالخبر ولكن لم تعط أي إشارة للحزن، واكتفت بقول رحمها الله، ولكن ماذا عن عمليتك، فغضبت وطلبت منها أن تجهز لنسافر بعد أن ننهي إجراءات نقل جثمان ليلى إلى الوطن، ففعلت على مضض وطلبت مني قبلها أن نرسل الجثمان وحيداً أو أن ندفنه في نفس المكان، ولكني رفضت ذلك، لأنها أوصت بأن تدفن بجوار أبيها بمكة..
    وصلنا إلى جدة بعد ذلك بأيام وفتحت باب العزاء لتلقيه في ليلى، وبعد العزاء زارني المحامي في بيتي وأخبرني أن تركة خلفتها ليلى نصيبك منها بعد حصر الورثة خمسة ملايين ريال، قلت نعم فأخذت المبلغ وبنيت لها جامعاً كبيراً بملحقاته بكامل ما تركت لي من مال .
    ولما انتهيت من بناء الجامع قررت السفر لإجراء عملية تجميل الوجه الذي أحرقته عبير بمادة الحمض الحارقة، لم أخبر أحداً إلا والدتي قبل أن أسافر وطلبت منها التكتم على الخبر، لم أكن أرغب بأن تعرف عبير بسفري حتى لا تطلب مرافقتي لتكمل ما نقص من نزهتها، ولم أتصل عليها من ميونخ بألمانيا إلا قبل العملية بساعة فقط.
    تمت العملية وتكللت بالنجاح وبقيت فترة النقاهة كلها في برلين، لم أكن أحب التنقل والترحال كثيراً، وأخيراً قررت أن أعود لأرض الوطن، بشكل جديد ووجه ليس مشوه.
    نزلت في مطار الملك عبدالعزيز الدولي، رفعت رأسي عالياً وكأني أتعرض للناس بأن يشاهدوني، فانطلقت بسيارة أجرة إلى فندق جدة شيراتون لأبقى هناك لثلاثة أيام ولا أرد على أي اتصال يأتي، على الرغم من أني أخبرت الجميع بأني وصلت، ولكن لن آتي للمنزل قبل ثلاث.
    وفي اليوم الثالث ألحت عبير علي بالاتصال حتى بلغ عدد مرات طلبي هاتفياً بين الساعة الـ3 والرابعة عصراً 40 مرة، فقلت في نفسي لعل أمراً هاماً حدث، فرددت عليها وكنت وقتها في سيارتي أمشي بهدوء وروية، طلبت مني أن أحضر طعاماً لهم لأنهم لم يتناولوا طعام الغداء، ولكن تساءلت أين الخدم وأين الطباخين في القصر وأين السائقين ليحضروا لهم من أحد المطاعم القريبة أو البعيدة، أصرت أن أحضر الطعام، فأبديت موافقتي ووصلت إلى مطعم كنت قديم آخذ منه دائماً، كان الزحام شديد وهناك طابوراً طويلاً من مرتادي المطعم ينتظرون دورهم لطلب بعض الطعام.
    وصلت أخيراً إلى الصندوق لأدفع بعد أن أملي عليه رغباتي، فقال الحساب 51 ريالاً أخرجت من جيبي خمسين، وانتظر مبتسماً الريال الباقي، بحثت في جيبي عن ريال لم أجد، فقلت له سأحضر لك الريال بعد قليل أو غداً ولكن أعطني ورقة الطلب، رفض ذلك فما كان مني إلا أن أتصل بعبير وقلت لها : عبير لقد وقعت في ورطة..
    قال : وما هي .
    قلت : نقص ريالاً وأنا في المطعم ولا أملك في جهاز الصرف الآلي أي مبلغ.
    قالت حسناً : سأرسل أخي إليك الآن.
    فجاء أخوها وأعطاني ريالاً فأكملت المبلغ وأخذت الغداء، وتحول المليار إلى مـــ ريال فقط .
    كانت بعض أحلام اليقظة حينما وقفت في طابور المطعم الطويل وأنا منهك متعب بعد عمل من الوزن الثقيل.


    انتهت

    بقلمي ( يمنع النقل بدون ذكر المصدر )

     
  2. ماعلى رب الاماني صعب

    ماعلى رب الاماني صعب تربوي جديد عضو ملتقى المعلمين

    188
    0
    0
    ‏2013-09-23
    إداريه
    جيد أنه مازال هناك من يستطيع أن يحلم
    احترمت بطل الحلم لشهامته واحزنني ماجره عليه المليار
    من تبعات ...
    غضبتُ من عبير ومافعلته به ,
    رحمت ليلى وضعفها.
    رائع جدا .
     
  3. سعيد آل شاكر

    سعيد آل شاكر عضو مجلس إدارة الموقع عضو مجلس الإدارة

    3,369
    4
    38
    ‏2011-04-08
    معلم
    أشكرك لمرورك والتعبير عن شعورك من القصة
     
  4. (أنثى من زجـــــــــــاج)

    (أنثى من زجـــــــــــاج) مراقبة عامة مراقبة عامة

    3,306
    0
    0
    ‏2011-05-13
    معلمـــة
    لوحة قصصية ساحرة ..*
    تتجلى فيها بصمات أديب فنان متمكن من ريشة ألوانه الكتابية , وليس كل كاتب فنان .. تلك كانت هي قراءتي .. هل أصبت ؟.. لست أدري .

    أترك لديك زهرة ياسمين .. تحية مودة وإعجاب

    تقبل مروري يافاضل
     
  5. سعيد آل شاكر

    سعيد آل شاكر عضو مجلس إدارة الموقع عضو مجلس الإدارة

    3,369
    4
    38
    ‏2011-04-08
    معلم
    ولكِ أكاليل من الشكر يا فاضلة