اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1


وفي المسألة أربعون قولاً

الموضوع في 'الملتقى العام' بواسطة الموهوب, بتاريخ ‏2014-10-02.


  1. الموهوب

    الموهوب عضوية تميّز عضو مميز

    440
    0
    0
    ‏2011-05-30
    معلم
    نشأنا في هذه البلاد ـ المباركة ـ على قول واحد ، وهذا أمر طبيعي ، فقد كان الناس في جهل وكانوا لا يأخذون إلا من مصدر واحد وهو المفتي العام ، أو هيئة كبار العلماء ، وهم في الغالب من مدرسة واحدة ، فتشابهت أقوالهم في المسائل الخلافية إلى حد كبير ، فعلى سبيل المثال : كان الناس لا يعرفون إلا قولاً واحداً في مسألة زكاة الذهب الملبوس ، وهو عدم وجوب الزكاة فيه ، وبهذا القول كان يفتي الشيخ محمد بن إبراهيم ، ومن بعده الشيخ عبد الله بن حميد ـ رحمهما الله ـ ، ثم جاء من بعدهما الشيخ عبد العزيز بن باز ، والشيخ محمد بن عثيمين ، فكانا يفتيان بوجوب الزكاة في الحلي الملبوس ، وانتشر هذا القول حتى لا يكاد الناس يعرفون قولاً غيره .
    ثم جاء من بعدهما الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، وأفتى بعدم وجوب الزكاة في الحلي الملبوس .وبدأ هذا القول يأخذ دوره في الرواج بين الناس .
    ومع انتشار الفضائيات وتعدد برامج الفتوى سمع الناس أقولاً في مسائل ما كانوا يعلمونها ، واختلفت مشارب الناس في طريقة التعامل مع هذه الفتاوى فمنهم المحتاط ، ومنهم المتساهل ، ومنهم المتذوق الذي يبحث عن الجواز في المسألة التي يسأل عنها ولو وجدها عند أول صاحب لحية في أول شارع يخرج فيه . ثم يقول : اجعل بينك وبين النار مطوع ، ويحسب أن هذا يعفيه من تبعة هذا السؤال وإجابته ، ولو أنه يريد طبيباً ليعالجه من مرض ألم به، أو مهندساً لإصلاح سيارته لبحث عن أحسن الموجود واستقصى في السؤال ، أما أمور دينه فكما يقال " الطارف من المطاوعة سديد " فإذا لم يجد عنده ما يهوى فإنه سوف يبحث عن شخص آخر ليفتيه بحسب رغبته ، وما علم أن ذمته لا تبرأ بمثل هذه الاستفتاء !!
    وتطور الأمر ببعض الناس فأخذوا يمعنون في التساهل بحجة أن المسألة خلافية ، والبعض منهم أخذ يلمز العلماء بأنهم كانوا يحجبون هذه الأقوال التي فيها التيسير على الناس ، ويشددون على الناس ، والآن انفضح أمرهم وعرف الناس الحقيقة، هذا ما قاله بعض الجهلة !!
    ولو علم الحقيقة صاحب هذا القول لعلم أنه يكشف جهله ، فهذا الجاهل المتعالم لا يعلم حقيقة الأمر ولو علم حقيقته لاستحى من نفسه إن كان عنده مثقال ذرة من حياء ، فالأقوال الفقهية المتعددة والمختلفة موجودة من القرن الأول ومدونة في كتب أهل العلم ، والخلاف بين العلماء موجود من زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث اختلف الصحابة الكرام ـ رضي الله عنهم ـ في حكم أداء صلاة العصر في بني قريظة ، أو في الطريق مع أن النص واحد ، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ، ومع ذلك لم يعب صلى الله عليه وسلم على طائفة منهم .
    وقد دون العلماء هذه الأقوال في كتبهم ، ولم يخفوها عن الناس ، وكون الإنسان جاهل ولم يتفقه في دين الله ، فهذا قصور منه ، ولا يتحمل العلماء تبعة جهل جاهل .
    وسوف أذكر مثالين على تقييد العلماء للخلاف في كتبهم ، ومدى تعدد الأقوال الخلافية ، وذلك من خلال كتاب بلوغ المرام ، والذي لا يخلو منه في الغالب بيت من بيوت المسلمين ، حيث قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ في موضعين من كتابه بلوغ المرام ما يلي :
    الأول : في مسألة ساعة الإجابة يوم الجمعة ، حيث قال رحمه الله ـ : (( وَقَدِ اخْتُلَفَ فِيهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ قَوْلًا, أَمْلَيْتُهَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ )) .
    الثاني : في مسألة ليلة القدر ، حيث قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ في كتابه سابق الذكر : (( وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِهَا عَلَى أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَوْرَدْتُهَا فِي «فَتْحِ الْبَارِي» )).
    ونلاحظ من خلال النصين السابقين كثرة الأقوال في مسألة وحدة لدرجة أنها بلغت أربعين قولاً ، ولو حسبنا ساعات الليل والنهار في المثال الأول لوجدنها أقل من عدد الأقوال في المسألة ، وكذلك لو حسبنا شهر رمضان ، لوجدنا لياليه أقل من عدد الأقوال ، فعدد الأقوال في المسألتين أكثر من ساعات الليل والنهار في المثال الأول ، ومن عدد ليالي شهر رمضان في المثال الثاني، ومع ذلك ذكرها ابن حجر ، ولم يخفيها ، كما يتهم بعض الجهلاء في أهل العلم .
    وربما قال البعض إن هذا في الكتب وما كل الناس يعلمون ما في الكتب ، فنقول من كان لا يعلم مافي الكتب فلا ينتقد العلماء ويتهمهم بالتهم الباطلة ، وأنهم يكتمون العلم ولا يظهرونه للناس .
    ومع ذلك وقبله وبعده فإن هذا الخلاف لم يكن محصوراً في بطون الكتب بل هو ظاهر أمام الناس سواء في المحاضرات ، أو في وسائل الإعلام ، ومما يذكر في هذا الصدد أن الشيخ محمد بن عثيمين ـ رحمه الله ـ كان يفتي على سطح الحرم بأن طواف الوداع للمعتمر واجب ، وكان الشيخ صالح اللحيدان ـ وفقه الله ـ يفتي في صحن الحرم في نفس الوقت بأن طواف الوداع على المعتمر ليس بواجب . فأين الإخفاء في المسائل الخلافية يا من يتطاول على العلماء ظلماً وجهلاً !؟

    فإن قال قائل لماذا لا نعرف إلا قولاً واحداً بينما هناك أقوال كثيرة وآراء متعددة في المسألة ؟
    فالجواب ، أن العامي يسأل المفتي ، والمفتي لا يشرع له إلا أن يفتي برأي واحد هو الراجح عنده ، ولا ينبغي له أن يشتت المستفتي ويذكر له الأقوال ، فالعامي ليس عنده القدرة على معرفة الراجح من المرجوح ، ولا الضعيف من القوي ، وإنما يأخذ الراجح من العالم مباشرة دون أن يشتت ذهنه في المسألة .
    أما طالب العلم فإنه يعرف الأقوال ويقارن بينها ويعرف الراجح من المرجوح لأن عنده الآلية الكاملة للتمييز بين الأقوال والوصول إلى ما يراه صواباً في المسألة .
    وبناء على ذلك فلا ينبغي للإنسان أن يطلق لسانه في العلماء بحجة أنهم أخفوا العلم والأقوال الأخرى وظهر المستور على حد زعم بعض الجهلاء .
    فما عندنا ـ والحمد لله ـ في ديننا ما يخفى ، أو يدغم على الناس بل الكل ظاهر واضح بين ، وفي جميع شؤون الحياة .
    ومن قال غير ذلك فإنما أوتي من جهله ، وعلى غير بينة من أمره .