اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1


ثمــرات .. من حياة الأربعة .

الموضوع في 'الملتقى الإســلامي' بواسطة مستشارالمحبة, بتاريخ ‏2015-03-11.


  1. مستشارالمحبة

    مستشارالمحبة تربوي مميز عضو مميز

    832
    0
    0
    ‏2014-06-12
    معلم
    بسم الله الرحمن الرحيم..
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,,,



    أبو بكر .. عمر .. عثمان .. علي

    رضي الله عنهم وأرضاهم ..

    فبهؤلاء .. تكتمل السيرة .. وتصبح أكثر عمقا .. وأعظم فهما ..

    كي نثبت للعالم ..
    أن صفة الخيرية في المسلمين .. باقية ..
    حتى بعد وفاة رسول المسلمين محمد (صلى الله عليه وسلم)..

    فمن كان يعبد محمدا .. فإن محمدا قد مات ..
    ومن كان يعبد الله .. فإن الله حي لايموت ..

    فالخير في الأمة باق .. ببقاء الله سبحانه .. لحين زوال المؤمنين بالريح الطيبة ..

    يقول الحق في كتابه ..

    (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)

    لذلك ..
    سنظل من خير أمة أخرجت للناس ..
    ما دمنا نأمر بالمعروف ..
    وننهى عن المنكر ..
    و نؤمن بالله ..
    و نحفظ حدوده ..
    و نتقرب إليه بطاعته ..

    نسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد .. اللهم آمين ..

    فكونوا على مقربة ...
    التاريخ دائما .. يكرر نفسه بصورة عجيبة... لأنه من سنن الله ..
    فنفس الأحداث نراها رأي العين..
    باختلاف في الأسماء والأمكنة..

    و دارس التاريخ بعمق ... كأنه يرى المستقبل..
    ويقرأ ما يجد على وجه الأرض من أمور..
    ولا يُخدع بسهولة..
    مهما تفاقمت المؤامرات..
    ومهما تعددت وسائل المكر والمكيدة...

    دارس التاريخ بعمق ....يعرف أين يضع قدمه..
    وكيف يقود نفسه ومجتمعه وأمته...

    دارس التاريخ بعمق كالشمس الساطعة ...تنير الطريق لأجيال تتلوها أجيال..
    وقد يمتد أثره إلى يوم تقوم الساعة...

    كيف لا؟

    وقد ذكرنا من قبل ...أنه لا جديد على الأرض ..

    ويكفينا الأمر الإلهي الحكيم

    (فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)

    فقص القصة أو رواية الرواية لا يغني شيئا ..إن لم يُتبع بتفكر..

    ودراسة التاريخ ....ليست دراسة تكميلية أو جانبية أو تطوعية...

    ودراسة التاريخ ...ركن أساسي من أركان بناء الأمة القوية الصحيحة...

    ففي دراستنا للتاريخ ..
    نعرض لأمور لا تستقيم حياة المسلمين بغيرها..
    لأمور من العقيدة..
    وأمور من الفقه..
    وأمور من الأخلاق..
    وأمور من المعاملات...
    وأمور من الأحكام...

    نعرض لفقه الموازنات..
    وفقه الأولويات..
    ولفقه الواقع..

    أو إن شئت فقل... نعرض لكل أمور الدين...

    هكذا كان الله في كتابه الحكيم يقص القصة..
    فيعرض فيها الحجة التي تقنع العقل..
    ويعرض فيها الرقيقة التي تلمس القلب..
    وقد يعرض فيها أمرا عقائديا..
    وقد يعرض فيها حكما فقهيا..
    ثم هو يربط القديم بالحديث..
    والتاريخ بالواقع..
    والماضي بالحاضر..
    فتشعر أن التاريخ حي ينبض... ولسانٌ ينطق..
    .
    فالتاريخ أبدا ..
    لا يحدثنا عن رجال ماتوا...
    ولا عن بلاد طواها التاريخ بين صفحاته العديدة...

    وإنما هو يحدثنا عن أحداثنا..
    وينبئنا بأنبائنا..
    ويخبرنا بأخبارنا...

    التاريخ ثروة مدفونة تحتاج إلى بذل مجهود..
    وتفريغ وقت..
    وحشد طاقات..
    تحتاج إلى عقول.. وقلوب.. وجوارح..

    هذه الثروة .. تحتاج إليكم جميعا ...يا من ترجون للإسلام قياما..
    .
    والتاريخ الإسلامي هو ولا شك ...
    أنقى وأزهى وأعظم وأدق تاريخ عرفته البشرية..
    وسعدت الدنيا بتدوينه...

    التاريخ الإسلامي هو تاريخ أمة شاهدة..
    أمة خاتمة..
    أمة صالحة..
    أمة تقية نقية..

    هو تاريخ أمة ..آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر..
    داعية إلى كل خير..
    محاربة لكل شر...

    التاريخ الإسلامي ..
    هو تاريخ رجال ما عرف التاريخ أمثالهم..
    رجال فقهوا دينهم ودنياهم..
    فأداروا الدنيا بحكمة وعيونهم على الآخرة..
    فتحققت المعادلة الصعبة العجيبة: عزٌ في الدنيا.. وعز في الآخرة..
    مجد في الدنيا.. ومجد في الآخرة..

    والتاريخ الإسلامي هو تاريخ حضارة جمعت كل مجالات الحياة في منظومة رائعة راقية..
    جمعت الأخلاق...
    والسياسة..
    والاجتماع..
    والاقتصاد..
    والمعمار..
    والقضاء..
    والترفيه..
    والقوة..
    والإعداد..
    والذكاء..
    والتدبير...

    جمعت كل ذلك جنبا إلى جنب ...مع سلامة العقيدة..
    وصحة العبادة..
    وصدق التوجه..
    ونبل الغاية...

    وصدق الله تعالى إذ يقول..

    (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)

    هذا هو التاريخ في أصله وجوهره...

    ولا يمنع ذلك أنه يحوي أخطاء بعضها عظيم...
    ويشمل عيوبا بعضها خطير..
    وإنه لمن العبث أن ندعي أنه بياض بلا سواد..
    ونقاء بلا شوائب..
    لكن من الظلم البين أن نلصق أخطاء المسلمين بدين الإسلام...

    فالإسلام دين لا ثغرة فيه..
    ولا خطأ فيه..
    ولا عيب فيه..

    دين محكم تام كامل..
    أنزله الذي يعلم السر وأخفى..سبحانه الحكيم الخبير..

    ومن خالف دين الإسلام من المسلمين.. فوباله على نفسه.. وليس على الإسلام..

    وكثيرا ما يخالف الناس..
    فتحدث هزات وسقطات..
    لكنها ما تلبث أن تتبع بقيام إذا ثابوا إلى رشدهم..
    وعادوا إلى دينهم..
    وإلا استبدلهم القوي العزيز بغيرهم من الصابرين الطاهرين...


    لكل روح اتت هُنا [​IMG]

     
  2. مستشارالمحبة

    مستشارالمحبة تربوي مميز عضو مميز

    832
    0
    0
    ‏2014-06-12
    معلم
    ثم وقفة وسؤال..


    هذه الثروة وهذا الكنز العظيم... ثروة التاريخ الإسلامي الطويل..



    فمن مِن البشر في زماننا .. أمّنّاه عليها ؟!


    مَن مِن البشر أعطيناه مفاتيح الكنوز التاريخية.. لينقب فيها ويستخرج جواهرها؟


    مَن مِن البشر أسلمناه أذاننا... وعقولنا.. وأفئدتنا..
    ليلقي عليها ما استنبط من أحكام وما عقله من أحداث؟


    عجبا لأمتنا !


    لقد أعطت ذلك لحفنة من الأشرار..
    طائفة من المستشرقين..
    وطائفة من المفتونين بهم من أبناء المسلمين ...تسلموا كنز التاريخ..
    لينهبوا أجمل ما فيه ..
    وليغيروا ويبدلوا ويزوروا..
    فيخرج التاريخ إلينا مسخا مشوها عجيبا..


    فتًقطع حلقة المجد..
    وينفصل المسلمين في حاضرهم عن ماضيهم..
    كما تنفصل الروح عن الجسد تماما بتمام..


    ولقد انتبه الشباب ..
    فوجدوا بين أيديهم سجلا حافلا ..
    من الصراعات والمؤامرات والخيانات والسرقات..
    صفحات سوداء تتلوها صفحات أسود..
    واحتار الشباب في تاريخهم ..
    أيمسكونه على هونٍ أم يدسونه في التراب؟!


    فويل..
    ثم ويل لمن افترى على الله كذبا.. ليضل الناس بغير علم...


    وويل..
    ثم ويل لأبناء المسلمين الذي فتنوا بمناهج العلمانية..
    فصاغوا التاريخ صياغة مشوهة مزورة محرفة..
    فحرموا المسلمين من أمثلة عملية تطبيقية رائعة لكل أمر من أمور الدين...


    وويل..
    ثم ويل لمن يقدر على التصحيح فلم يفعل..
    ولمن يقدر على التوضيح والتبيين فلم يفعل..
    ولمن يقدر على النصح والإرشاد فلم يفعل...


    يقول جابر بن عبد الله..


    إذا لعن آخر هذه الأمة أولها..
    فمن كان عنده علم فليظهره..
    فإن كاتم العلم يومئذٍ ككاتم ما أُنزل على محمد (صلى الله عليه وسلم) ..


    سبحان الله ..


    ألهذه الدرجة .. ؟!


    من سمع طعنا في الصحابة.. أو في الصالحين من الأمة.. ثم لم يَرُد..
    كان كمن كتم ما أُنْزل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..!


    نعم..


    لأنه... كيف وصل إلينا ما نزل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟


    ألم يصل إلينا عن طريق الصحابة والتابعين.. وتابعي التابعين؟


    فإذا طُعن في هؤلاء دون توضيح لحقيقتهم الطاهرة.. لم يُقبل ما يأتي عن طريقهم...
    و هذا هدم للدين بالكلية..


    إذن تزوير التاريخ أمر خطير مروع... يحتاج إلى وقفات ووقفات...


    و لهذا كانت هذه السطور...
    أول حدث جليل بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم) ..
    هو استخلاف الرجل الجبل (أبو بكر الصديق) .. رضي الله عنه وأرضاه..


    ونقول .. استخلاف .. وليس خلافة .. فهذا له مقصد آخر سنوضحه لاحقا ..


    لكن .. كيف اختير (أبو بكر الصديق) خليفة للمسلمين؟


    وكيف تم؟


    وما هي خطواته وما هي تبعاته؟


    وماذا حدث في سقيفة بني ساعدة؟


    وماذا أثير حولها من شبهات من المستشرقين وأحبابهم؟


    والحق أن كثيرا من القراء ...
    قد يتعجبون لإفراد هذا الحدث...
    الذي يعدونه حدثا قصيرا بسيطا في التاريخ ببحث خاص...


    فالحدث تم في أقل من يوم واحد..
    وتاريخ المسلمين 14 قرنا من الزمان ..


    فهل يجب أن نفرد له بحثا خاصا ؟!


    ولماذا هذا الحدث بالذات؟


    ونجيب عن هذا السؤال .. بـ 5 نقاط ..


    أولا


    إن دراسة تاريخ الخلفاء الراشدين (أبي بكر وعمر وعثمان وعلي) .. رضي الله عنهم أجمعين..
    تعتبر من أهم الأمور التي يجب أن يحرص عليها المسلمين..
    ويجب أن يحرصوا على دراستها دراسة وافية...
    مستفيضة شاملة لكل نقاط حياتهم..
    فهي فترة من أهم فترات التاريخ الإسلامي..
    بل هي أهمها على الإطلاق بعد فترة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ..


    لماذا؟


    لأن هذه الفترة تعتبر جزءا من التشريع الخاص بالمسلمين..
    وقد يستغرب البعض أن هناك تشريعا بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..


    لكن الواقع أن كثيرا من الأمور جدت على حياة المسلمين بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم)..
    وكانت هذه الأمور تحتاج إلى فقهٍ واجتهاد..
    فاجتهد فيها هؤلاء الأخيار واختاروا آراء سديدة ساروا عليها..
    وسارت الأمة معهم..
    فكانت تشريعا للمسلمين...


    ولقد حدثت أمور ...ما كان لها شبيه في حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم)..
    منها هذا الحدث الذي نحن بصدده وهو... اختيار خليفة للمسلمين...
    ومنها فتوحات عظام في أراض شاسعة... وما تبع ذلك من أمور...
    ومنها أمور فقهية..
    ومنها شبهات أثيرت فدافعوا عنها...


    فترة جليلة حكم فيها خير المسلمين على الإطلاق..
    وكان المحكومون هم خير أهل الأرض بعد الأنبياء...


    من هنا نستطيع أن نفهم حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
    الذي رواه الترمذي رحمه الله.. ورواه أبو داود .. عن العرياض بن سارية.. قال..


    "وعظنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) موعظة بليغة وجلت منها القلوب .. وذرفت منها العيون..
    فقلنا: يارسول الله كأنها موعظة مودع.. فأوصنا ..
    قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمّر عليكم عبد..
    وإنه من يعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا..."


    وصدقت يا رسول الله..
    ونحن الآن نعيش في هذا الزمن الذي فيه اختلاف كثير..
    تشعبت بنا الطرق..
    وكثرت عندنا المناهج..
    وتعددت أمامنا الأساليب..


    فماذا نفعل؟


    وفي أي طريق نسير؟


    وأي المناهج نتبع؟


    وأي الأساليب نختار؟


    ولنكمل قوله (صلى الله عليه وسلم) أعلاه ..


    "وإنه من يعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ..
    فعليكم بسنتي .. وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي..
    عضّوا عليها بالنواجذ (الأضراس) ..
    وإياكم ومحدثات الأمور .. وكل بدعة ضلالة .. "


    فندما تتشعب الطرق ...عليك بسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)...
    وهذا بالطبع مفهوم..


    لكن لماذا يضيف (صلى الله عليه وسلم) .. "وسنة الخلفاء الراشدين المهديين"؟!


    إذا كان الخلفاء الراشدون سيعيشون حياة ليس فيها اختلاف عن حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم)..
    فإنه من الطبيعي والمنطقي ..
    أن يقلدوا الرسول في كل شيء...
    ولا يبقى مجال لاجتهادهم..


    ومن ثم لا يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم).."عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين"..


    لكن الواقع ..
    أن الأمور التي جدت على الأمة في عهدهم ..
    وضعت أشياء كثيرة كانت تحتاج إلى عقول ذكية..
    وقلوب طاهرة كعقول وقلوب الخلفاء الراشدين..
    فأصبح ما يفعلون ليس مقبولا فقط..
    بل شَرْع للأمة إلى يوم الدين...


    خلاصة هذه النقطة ..
    أن دراسة تاريخ الخلفاء الراشدين المهديين جزء من الدين والشرع..
    ولا بد أن يعطي له المسلمون اهتماما خاصا..


    ثانيا


    الذي يهمنا في قصة استخلاف (أبي بكر الصديق)..
    أننا سنستخلص أحكاما وأمورا هامة من هذه الحادثة ..
    تفيد جدا في بناء الأمة الإسلامية بناء صحيحا..
    فما هو معنى الشورى؟
    وكيف التصرف عند الاختلاف؟
    وما هي طرق عرض وجهات النظر؟
    ولماذا يختار رجل دون آخرٍ لإمارة ما؟


    ثالثا


    إن هذا الحدث الهام هو بداية حياة المسلمين بدون رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. .
    ولا شك أن هذا أمر يدعو إلى الاهتمام...
    فغياب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمرُ صعب..
    والأصعب من ذلك غياب الوحي الذي كان يأتي عن طريقه (صلى الله عليه وسلم)..


    فالصحابة كانوا يعيشون الوحي...
    فكل يوم يحدثهم (صلى الله عليه وسلم) بما يريده الله منهم .. ليس قرآنا فحسب..
    لكن يقول لهم .. الله غفر لفلان...
    الله يحب فلان...
    الله يبشر فلان بالجنة...


    وكانوا إذا اختلفوا ...نزل الوحي يؤيد رأيا على رأي...
    ويعدل المسار ويصحح الوجهة...


    وفجأة .. انقطعت العلاقة التفاعلية بين الصحابة وبينه (صلى الله عليه وسلم)..
    وأصبح عليهم أن يجتهدوا لكي يعرفوا .. أين غضب الله... وأين رضاه؟


    رابعا


    تأتي أهمية حادث الاستخلاف أيضا ...
    في أنه تبعه أحداث جسام في حياة المسلمين ما كانت لتتم ..
    لولا أن هدى الله فاختار المسلمون (أبا بكر) ليكون خليفة للمسلمين..
    فالرجل له طابع يختلف عن كثير من الصحابة..
    سنتعرف عليه إن شاء الله في سطور قادمة ..
    وستستشعر كم كان الله رحيما بالمؤمنين... ومسدِدا لخطاهم ..
    لما يسر لهم اختيار هذا الصحابي الجليل لهذه المهمة الثقيلة..
    مهمة خلافة المسلمين بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..


    خامسا


    من أهمية دراسة هذا الحدث الخطير أيضا ...
    أنه كثر طعن المستشرقين وأتباعهم في كل من شارك في هذه العملية الهامة...
    ولم يتركوا أحدا..
    ضربوا كل الرموز الإسلامية العظيمة..
    وأظهروا الأمر على أسوأ ما يكون..


    فطعنوا في أبي بكر وعمر... وأبي عبيدة بن الجراح..
    وعائشة.. وسعد بن عبادة.. وزيد بن ثابت.. وأبي هريرة.. والسيدة فاطمة..
    بل طعنوا في علي بن أبي طالب في صورة الثناء عليه.. وذموه في صورة المدح..
    و طعنوا في العباس بن المطلب عم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..


    خلاصة الأمر ...أنهم أخرجوا لنا صورة مهلهلة قبيحة لخير الأجيال.. وخير القرون...
    فإن كان هم كذلك... فأي خير يرتجي مَن جاء مِن بعدهم؟
    وأخطر من ذلك... إن كانوا هم كذلك فكيف نأخذ ديننا عن طريقهم؟
    وكيف نقبل باجتهادهم؟..


    فالمستشرقون بذلك يضربون الدين في عمقه ...ويدمرون الإسلام في أصوله...


    هذا الكلام..
    ليس تاريخا قديما فعله بعض المستشرقين في السابق..
    والحال الآن غير ذلك...
    بل هذا الكلام ما زال يتردد في أفواه بعض من يدرسون التاريخ في الجامعات المتخصصة ..
    سواء في الجامعات المحلية...
    أو الجامعات الغربية التي تفتح فروعا في البلاد الإسلامية..
    وبالطبع يردد أيضا بكثرة في الجامعات الغربية في خارج الأقطار الإسلامية ..
    لتشويه صورة الإسلام والمسلمين...


    هنا وجب علينا أن ندفع هذه الشبهات..
    وأن نوضح للناس الصورة الحقيقية للأحداث التي تمت بخصوص هذه القصة..
    قصة استخلاف (أبي بكر الصديق)..


    ولهذه الأسباب مجتمعة .. سنشرح هذا الحدث الكبير .. إن شاء الله ..


    ولكي نفهم هذا الحدث ..
    ولكي نستوعب اختيار (أبي بكر الصديق) خليفة للمسلمين..
    لا بد أن ندرس في البداية شخصية هذا الرجل النادر...


    لا بد أن نعرض لطرف بسيط من حياته...



    لكل روح اتت هُنا [​IMG]

     
  3. مستشارالمحبة

    مستشارالمحبة تربوي مميز عضو مميز

    832
    0
    0
    ‏2014-06-12
    معلم
    نحن لا نستطيع أن نفتح الباب على مصراعيه لرؤية شخصية هذا الرجل الفذ العملاق..
    نحن فقط نلقي نظرة على استحياء لنعرف..

    ما هي مفاتيح الشخصية عنده؟

    وما سر هذه الرؤية الواضحة عنده في كل الأمور؟

    وما سر هذه الدرجة الرفيعة التي نالها في دنياه وآخرته؟

    (أبو بكر الصديق) شخصية عجيبة جمعت بين طياتها الرقة والشدة...
    والرحمة والقوة..
    والأناة والسرعة..
    والتواضع والعظمة..
    والبساطة والفطنة...

    وأضعاف من فضائل الأخلاق والطباع..
    وهبه الله حلاوة المنطق..
    وطلاقة اللسان..
    وقوة الحجة..
    وسداد الرأي..
    ونفاذ البصيرة..
    وسعة الأفق..
    وبعد النظرة..
    وصلابة العزيمة..
    وكل هذا وغيره.. وهو ليس بنبي... إن هذا لشيء عجيب..!

    فشخصية (أبي بكر الصديق) شخصية عجيبة ما تكررت في التاريخ..

    انظر تقييم (علي بن أبي طالب) لهذه الشخصية..

    أخرج البخاري عن محمد بن علي بن أبي طالب قال..
    قلتُ لأبي .. أي الناس خير بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
    قال: أبو بكر..
    قلت: ثم من ؟
    قال: ثم عمر..
    وخشيتُ أن يقول عثمان .. فقلت: ثم أنت ؟
    قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين ..

    وهذا تواضع من (علي بن أبي طالب) .. رضي الله عنه وأرضاه.

    فيا تُرى ...كيف كانت شخصية (أبو بكر) الذي هو خير الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟!

    قال (صلى الله عليه وسلم) في حقه كما روى البخاري ..

    "إن من أمنّ الناس علي في صحبته وماله أبا بكر..
    ولو كنتُ متخذا خليلا غير ربي لأتخذت أبا بكر..
    ولكن أخوة الإسلام ومودته.."

    فهذه مقامات عالية جدا...
    فـ (أبو بكر الصديق) كما في الحديث ..من أَمنّ الناس عليه (صلى الله عليه وسلم)..
    أي أكثرهم مِنّة وفضلا..
    .
    وهذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتخذ الله خليلا...
    ولولا ذلك لاتخذ (أبا بكر)...!
    ولكن أخوة الإسلام...

    فكيف يكون هذا الرجل الذي ظفر بتلك المنزلة الراقية؟

    وكيف وصل إليها؟

    ونحن لا نريد دراسة أكاديمية لحياة (أبي بكر الصديق)..
    لكن أحب أن نبحث في مفاتيح شخصية هذا الرجل العظيم..

    فكيف تسهل عليه فعل كل هذا الخير؟

    وكيف حافظ عليه؟

    ثم هل من سبيل بعد معرفة هذا أن نقلده فيما فعل... فنصل إلى ما إليه وصل؟

    أبو بكر وحب النبي

    لقد أحب (أبا بكر) رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. حبا خالصا ..
    خالط لحمه ودماءه وعظامه وروحه ..
    حتى أصبح جزءا لا يتجزأ من تكوينه..
    والصحابة جميعا أحبوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حبا عظيما فريدا..
    لكن ليس كحب (أبي بكر)..


    هذا الحب الذي فاق حب المال والولد والأهل والبلد... بل فاق حب الدنيا جميعها...

    وحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من مكملات الإيمان..

    كما روى البخاري ..

    "لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"

    و(أبو بكر الصديق) ...أشد الناس إيمانا...
    فهو إذن أشد الناس حبا للرسول (صلى الله عليه وسلم)..

    ففي حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم).. في مسند الإمام أحمد عن ابن عمر ..

    قال خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذات غداة بعد طلوع الشمس..
    فقال: رأيتُ قبل الفجر كأني اعطيتُ المقاليد والموازين ..
    فأما المقاليد فهذه المفاتيح ..
    وأما الموازين فهي التي تزنون بها ..
    فوُضعتُ في كفة ووُضعت أمتي في كفة .. فوزِنتُ بهم .. فرجحتُ..
    ثم جيء بأبي بكر .. فوُزن بهم .. فوزن .. "


    هذا الحب المتناهي...
    له دليل من كل موقف من مواقف السيرة تقريبا..
    ولو تتبعت رحلة (أبو بكر) معه (صلى الله عليه وسلم) ..
    لرأيت حبًا قلما تكرر في التاريخ....

    ففي الهجرة ..
    لما جاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى بيت (أبي بكر) في ساعة لم يكن يأتيهم فيها..

    أول ما قاله (أبو بكر).. فداء له أبي وأمي.. والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر...

    ولما أخبره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأمر الهجرة

    قال (أبو بكر) بلهفة .. الصحبة يارسول الله ..

    قال (صلى الله عليه وسلم).. "الصحبة"

    فماذا كان رد فعل (أبي بكر) لما علم أنه سيصاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟

    تقول (عائشة) ..
    فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح..
    حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ...!


    سبحان الله ..
    يبكي من الفرح للصحبة مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
    مع أن هذه الصحبة الخطيرة سيكون فيها ضياع النفس..
    فمكة كلها تطارده (صلى الله عليه وسلم)..
    وقد يكون فيها ضياع المال..
    وضياع الأهل ..
    وترك البلد ..
    لكن ما دامت في صحبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
    فهذا أمر يبكي من الفرح لأجله...

    وعند الوصول إلى غار ثور ...

    قال (أبو بكر) .. والله لا تدخله حتى أدخله قبلك.. فإن كان فيه شر أصابني دونك..

    فدخل (أبو بكر) فكسحه..
    ووجد في جانبه ثقبا.. فشق إزاره وسدها به..
    وبقى منها اثنان فألقمهما رجليه..

    ثم قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم).. ادخل...

    فدخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..ووضع رأسه في حجر (أب بكر) ونام...

    فلُدغ (أبو بكر) في رجله من الجُحر... ولم يتحرك مخافة أن ينتبه (صلى الله عليه وسلم)..

    فسقطت دمعة على وجه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

    فقال (صلى الله عليه وسلم) .. "ما لك يا أبا بكر؟"

    قال .. لدغتُ فداك أبي وأمي ..

    فتفل (صلى الله عليه وسلم) عليها .. فذهب ما يجده..

    وفي لقطة أخرى من لقطات الهجرة..
    يقول (أبو بكر) كما في البخاري ..

    ارتحلنا من مكة فأحيينا...
    أو سرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا..
    وقام قائم الظهيرة..
    فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه ؟
    فإذا صخرة أتيتها..
    فنظرت بقية ظل... فسويته بيدي..
    ثم فرشت للنبي (صلى الله عليه وسلم) فيه..
    ثم قلت له: اضطجع يا نبي الله..
    فاضطجع النبي (صلى الله عليه وسلم)..
    ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحدا؟
    فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة.. يريد منها الذي أردنا ..
    فسألته: لمن أنت يا غلام؟
    قال: لرجل من قريش سماه فعرفته..
    فقلت هل في غنمك من لبن ؟
    قال: نعم..
    قلت: فهل أنت حالب لبنا؟
    قال: نعم...
    فأمرته فاعتقل شاه من غنمه..
    ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار..
    ثم أمرته أن ينفض كفيه..
    فقال هكذا ضرب إحدى كفيه بالأخرى فحلب له كثبة من لبن..
    ومعي دواة حملتها للنبي (صلى الله عليه وسلم) يرتوي منها يشرب ويتوضأ...
    فأتيت النبي (صلى الله عليه وسلم)..
    فكرهت أن أوقظه..
    فوافقته حين استيقظ ..
    فصببت الماء على اللبن حتى برد أسفله ..
    فقلت: اشرب يا رسول الله..
    فشرب حتى رضيت... !
    ثم قال (صلى الله عليه وسلم)... "ألم يأن الرحيل؟"
    قلت: بلى..
    فارتحلنا.. والقوم يطلبوننا..
    فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشة على فرس..
    فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله..
    فقال.. "لاتحزن.. إن الله معنا"


    ولقطة أخرى من لقطات الهجرة ..
    كما أخرج الحاكم في مستدركه عن عمر بن الخطاب .. قال ..

    خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى الغار.. ومعه أبو بكر..
    فجعل يمشي ساعة بين يديه.. وساعة خلفه..
    حتى فطن له رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
    فسأله..
    فقال له: أذكر الطلب فأمشي خلفك.. ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك...
    فقال (صلى الله عليه وسلم) .. "يا أبا بكر .. لو شيء أحببتَ أن يكون بك دوني؟"
    قال: نعم.. والذي بعثك بالحق...

    هل كان هذا الحب من طرف واحد؟

    كلا والله..

    يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. كما عند مسلم ..

    "الأرواح جنودٌ مجندة.. فما تعارف منها ائتلف .. وماتناكر منها اختلف"

    فلأن (أبو بكر) قد أحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
    فلابد أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد رفع مكانته في قلبه ...فوق مكانة غيره..

    روى الشيخان عن عمرو بن العاص ..

    أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعثه على جيش ذات السلاسل..
    يقول: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟
    قال(صلى الله عليه وسلم) .. "عائشة"
    قلت: من الرجال؟
    قال (صلى الله عليه وسلم) .. "أبوها"
    قلت: ثم من؟
    قال (صلى الله عليه وسلم) .. "عمر"..
    فعد رجالا..


    وهنا سؤال ..

    هل كان يُرغم (أبو بكر) نفسه على هذا الحب؟

    وهل كان يشعر بألم في صدره عندما يقدم حب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
    على حب ماله أو ولده أو عشيرته أو تجارته أو بلده؟

    أبدا والله..

    لقد انتقل (أبو بكر) من مرحلة مجاهدة النفس لفعل الخيرات ..
    إلى مرحلة التمتع.. والتلذذ بفعل الخيرات..

    انتقل إلى مرحلة حلاوة الإيمان ...يذوقها في قلبه وعقله وكل كيانه..

    يقول (صلى الله عليه وسلم) في حديث رواه الشيخان عن أنس..

    "ثلاث من كنّ فيه .. وجد حلاوة الإيمان..
    أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ..
    وأن يحب المرء لايحبه إلا لله..
    وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار"


    وهذا الحب الفريد لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
    قاد إلى أمرين عظيمين ..
    يفسران كثيرا من أعمال (أبو بكر) الخالدة في التاريخ..

    (1) اليقين بالكامل بصدق ما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
    (2) الاقتداء الكامل برسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى وإن لم يدرك الحكمة..




    لكل روح اتت هُنا [​IMG]



     
  4. مستشارالمحبة

    مستشارالمحبة تربوي مميز عضو مميز

    832
    0
    0
    ‏2014-06-12
    معلم
    الاقتداء الكامل برسول الله

    كان الأمر الثاني الذي قاده إليه حب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..

    فهو الاقتداء الكامل به (صلى الله عليه وسلم) ...حتى وإن لم يدرك الحكمة..

    وهو يتمثل بقوله

    (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)

    وقوله ..

    (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

    و(أبو بكر) يحب الله سبحانه حبا لا يُقَدر..

    ويعلم أن الطريق الطبيعي لحب الله هو اتباع الرسول (صلى الله عليه وسلم) الاتباع المطلق...

    فإن علم الحكمة ..فبها ونعمت..

    وإن لم يعلمها... فالعمل هو العمل بنفس الحماسة ونفس الطاقة...!

    وكثير من الناس يعرضون أقوال الرسول (صلى الله عليه وسلم) على عقولهم القاصرة..

    فإن وافقت موافقة من عقولهم فعلوها..

    وإن لم توافق عقولهم أو أهوائهم تركوها ونبذوها..

    بل قد يسخرون منها..

    أما (أبو بكر) فلم يكن من هذا النوع..

    بل كان يقتدي به (صلى الله عليه وسلم) في كل صغيرة وكبيرة..

    حتى لتشعر أنه لا يفرق بين فرض ونافلة..

    التصاق شديد بسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

    وبطريقته ومنهجه..

    فإذا كنت تريد أن تصل إلى ما وصل إليه (أبو بكر) وأمثاله ..

    فاعلم أن قدر السنة عندهم ...كان عظيما جدًا..

    لكن .. ما معنى السُنّة ؟!

    ليس المقصود بالسنة ...النوافل التي كان يؤديها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

    بل هي الطريقة ..

    المنهاج..

    و السبيل الذي كان يسلكه في حياته كلها...

    السنة هي طريقته (صلى الله عليه وسلم) في السلم والحرب..

    في الأمن والخوف..

    في الصحة والمرض..

    في السفر والإقامة..

    في السياسة والاقتصاد..

    في الاجتماع..

    وفي المعاملات..

    في كل وجه من أوجه الحياة...

    ولقد ابتليت الأمة الآن بمن يقللون من شأن السنة ..

    ويكتفون كما زعموا بأوامر القرآن..

    ويتركون توجيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

    وكأنه توجيه رجل من الصالحين أو شيخ من الشيوخ..

    ونسوا أن له (صلى الله عليه وسلم) مقاما لا يصل إليه أحد من البشر..

    فهو يتلقى عن رب العزة..

    ويصف لك ما فيه خير الدنيا.. وخير الآخرة...

    وقد تنبأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذه الكارثة ..

    وهي التقليل من شأن السنة..

    فقد روى أبو داود والترمذي أنه (صلى الله عليه وسلم) قال..

    "يوشك رجل منكم متكئا على أريكته.. يُحدث بحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله ..

    فما وجدنا فيه من حلال استحللناه.. وما وجدنا فيه من حرام حرمناه.."

    أي أنه سيكتفي بكتاب الله...

    وينكر السنة..

    وكلهم جاهل بكتاب الله..

    ولو قرأه لعلم ما فيه من آيات تخص اتباع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

    (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا)

    ألا وإن ما حرم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مثل الذي حرم الله...

    ومشكلة خطيرة يقع فيها كثير من الناس إما بجهل..

    وإما بقصد.. وتلك هي الطامة الكبرى.

    فعندما ننظر إلى حياة الصديق ...تجد اقتداء برسول الله (صلى الله عليه وسلم) فاق كل اقتداء..

    تشعر به في أقواله..

    وفي أفعاله..

    وفي حركاته وسكناته.. وبهذا بلغ المنازل..

    لو رأينا اقتداء (أبو بكر) برسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
    في إنفاذ بعث أسامة بن زيد رضي الله عنهما..

    والحقيقة أننا نسمع عن إنفاذ جيش أسامة...
    فلا نعطيه قدره..
    ونتخيل أنه مجرد جيش خرج...
    ولم يلق قتالا يُذكر ...فأي عظمة في إخراجه؟!


    بيد أن دراسة ملابسات إخراجه... وتأملها ..
    تدل على عظمة شخصية الصديق..
    وكيف أنه بهذا العمل وهو أول أعمال خلافته..
    قد وضع سياسة حكمه التي تعتمد في المقام الأول على اتباع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) دون تردد..

    ولا شك..
    فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد أعد هذا البعث ..
    لإرساله لحرب الروم في شمال الجزيرة العربية..

    وقد أمّر عليه (أسامة بن زيد) .. ولم يبلغ الـ 18 من العمر ..
    ثم توفي (صلى الله عليه وسلم)..
    وارتدت جزيرة العرب كلها إلا 3 مدن ...
    هي مكة والمدينة والطائف وقرية صغيرة..
    وهي جواثا في منطقة هجر بالبحرين.

    الجزيرة العربية كلها تموج بالردة ...
    ومع هذا أصر (أبو بكر) أن ينفذ بعث (أسامة بن زيد) إلى الروم ...!

    مع اعتراض كل الصحابة على ذلك الأمر..
    لأنه ليست لهم طاقة بحرب المرتدين ..
    فكيف يرسل جيشا كاملا إلى الروم ويترك المرتدين...؟!

    والحق أنه قرار عجيب...
    فالبلاد في حرب أهلية طاحنة..
    وبها أكثر من 10 ثورات ضخمة..
    ثم يرسل زعيم البلاد جيشا لحرب دولة مجاورة..
    كان قد أعده الزعيم السابق...!

    لكن (أبو بكر) كانت الأمور في ذهنه في منتهى الوضوح ...
    ما دام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد أمر فلا مجال للمخالفة...
    حتى وإن لم تفهم مقصوده (صلى الله عليه وسلم) ..
    حتى وإن لم تطلع على الحكمة والغاية..
    وهذه درجة عالية من الإيمان..

    كما أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد علم بردة مسيلمة في اليمامة..
    والأسود العنسي في اليمن..
    ومع ذلك قرر تجهيز الجيش.. وإرساله إلى الشام..

    وما دام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد أمر..
    فالخير كل الخير فيما أمر..
    فأصر (أبو بكر) على إنفاذ البعث إلى الروم..

    وجاءه الصحابة يجادلونه ويحاورونه..
    وهم على قدرهم الجليل لم يفهموا فهم الصديق ..

    فماذا قال لهم؟

    قال... والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
    ولو أن الطير تخطفنا.. والسباع من حول المدينة..
    ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين ... لأجهزن جيش أسامة..!

    الله أكبر .. !

    ولما رأى الصحابة إصرار (أبي بكر) ..

    قال بعضهم لـ (عمر) .. قل له فليؤمر علينا غير أسامة... !

    فانتفض (أبو بكر) .. وأخذ بلحية (عمر) .. وقال .. ثكلتك أمك يا ابن الخطاب..
    أؤمر غير أمير رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟

    وقد كانت لحظات الغضب في حياته قليلة جدا..
    وكانت في غالبها إذا انتهكت حرمة من حرمات الله ..
    أو عطل أمر من أوامر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

    وبالفعل ..
    أنفذ جيش (أسامة بن زيد)..
    وكان الخير في إنفاذه...
    إذ أرعبوا قبائل الشمال..
    وسكنت الروم..
    وظنوا أن المدينة في غاية القوة..
    وإلا لما خرج من عندهم هذا الجيش الضخم..
    وحفظ الله المدينة بذلك..

    ورأى الصحابة بعد ذلك بأعينهم صدق ظن الصديق ..
    لكن الصديق كان يرى الحدث قبل وقوعه..
    لأنه يرى بعين رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
    ولى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. (عمرو بن العاص) على عُمان ..
    ووعده أخرى بالولاية عليها..

    فلما استتب الأمر (لأبي بكر الصديق) بعد حروب الردة ..
    ولى عليها (عمرو بن العاص) تنفيذا لوعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..

    مع أن هذه أمور يجوز للوالي الجديد أن يراها أو يرى غيرها.. حسبما رأى المصلحة..
    وهذا أمر ليس شرعيا حتميا..
    لكن (أبو بكر) لا يريد أن يخالف ولو قدر أنملة..
    وهذا هو الذي وصل به إلى درجته..
    وهذا الذي رفع قدره..
    وهذا الذي سلم خطواته..
    وهذا الذي سدد رأيه...

    ثم إنه قد احتاجه لإمارة جيش من جيوش الشام..
    و (عمرو بن العاص) طاقة حربية هامة جدا..

    لكن (أبو بكر) تحرج من استقدامه في مكان ...
    وضعه فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ..
    مخافة أن يكره (عمرو) ذلك ...

    فأرسل (أبو بكر) له رسالة .. يقول فيها ..

    إني كنت قد رددتك على العمل الذي كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولاَّكه مرة..
    وسماه لك أخرى.. مبعثك إلى عمان ...إنجازا لمواعيد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..
    فقد وليته ثم وليته..
    وقد أحببت أبا عبد الله أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه..
    إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك...!


    ومنها .. هيبة (أبو بكر) في جمع القرآن..
    فإنه لما استشهد عدد كبير من حفظة القرآن في موقعة اليمامة..
    وخشي الصحابة على ضياع القرآن..

    ذهبوا إلى (أبي بكر) يعرضون عليه فكرة جمع القرآن..
    فكان متحرجا أشد التحرج من هذا العمل الجليل..

    وقال .. كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟

    مع أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم ينه عن جمعه..
    ولكن كان من عادة الصديق أن ينظر إلى فعله (صلى الله عليه وسلم)..
    قبل الإقدام على أي عمل..
    فما وجده اتبعه..



    لكل روح اتت هُنا [​IMG]

     
  5. نَاي الغُرُوب

    نَاي الغُرُوب طاقم الإدارة مراقبة عامة

    1,107
    8
    38
    ‏2014-06-25
    الله يبلغك الأجر

    ويتقبل منك