اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1


قصة معلم

الموضوع في 'ملتقى بــوح الأقــلام' بواسطة الاستاذ, بتاريخ ‏2008-01-18.


حالة الموضوع:
مغلق
  1. الاستاذ

    الاستاذ تربوي جديد عضو ملتقى المعلمين

    32
    0
    0
    ‏2008-01-18
    معلم





    بسم الله الرحمن الرحيم


    قصة معلم ( للشيخ علي الطنطاوي )
    ________________________________________

    قلت لصديق لي أديب: إني لأقرأ لك منذ عشر سنوات، فما رأيتك أسففت إسفافك في هذه الأيام، وإني لأشك أأنت تكتب ما تكتبه، أم يجري به قلمك وأنت نائم، فتأخذه فتضع عليه اسمك؟ فماذا عراك أيها الصديق فأضاع بلاغتك ومحا آيتك؟

    قال: دعني يا فلان دعني… فإن سراج حياتي يخبو، وشمعتي تذوب، وما أخالني إلا ميتا عما قريب، أو دائرا في الأسواق مجنونا… انتهيت… بعت رأسي وقلبي برغيف من الخبز.

    قلت: أربع عليك أيها الرجل وأخبرني ما بك، فلقد والله أرعبتني.

    قال: وماذا بي إلا أني معلم. إني معلم في مدرسة ابتدائية.. نهاري نهار المجانين، وليلي ليل القتلى، فمتى أفكر، ومتى أكتب، وأنا أروح العشية إلى البيت مهدود الجسم، مصدوع الرأس، جاف الحلق، فلا أستطيع أن أنام حتى أقرأ مئة حماقة، وأصحح مئة كراسة، فأعمي عيني بقراءتها، والإشارة إلى خطئها، وبيان صوابها، وتقدير درجاتها، فإذا انتهيت من هذا كله –ولا يقرأ تلميذ من كل هذا شيئا، ولا ينظر فيه- عمدت إلى دفتر تحضير الدروس، وهو الموت الأحمر، والبلاء الأزرق، الذي صبَّ علينا هذا العام صبا، فكتبت فيه ماذا أنا فاعل غدا في الفصل، دقيقة دقيقة، ولحظة لحظة... وماذا أنا قائل من كلمة، أو مقرر من قاعدة، أو ضارب من مثل، حتى إذا بلغت آخر كلمة فيه، استنفدت آخر قطرة من ماء حياتي، فسقطت في مكاني قتيلا، فحملت إلى السرير حملا.. فنمت نوما مضطربا تملؤه الأحلام المزعجة، والصور المرعبة، فأحسُّ كأن أمامي ركام الدفاتر التي سأصححها غدا، فلا أنجو منها حتى أبصر المفتش يتكلم من فوق المآذن، فلا يدع قاعدة من قواعد التربية، ولا نظرية من نظريات التعليم، ظهرت في فرنسا أو إنكلترا، إلا أرادني على تطبيقها، في فصل فيه سبعون تلميذا قد حشيت بهم المقاعد حشوا، وصفوا على الشبابيك، ووضعوا على الرفوف، مما لا يرضى عنه منهج من مناهج التربية، ولا قانون من قوانين الصحة، فإذا انمحت هذه الصورة، رأيت كأني أفهم تلميذا وهو يصغي إليّ ولا يفهم، فأكرر وأعيد فلا يفهم، فأقوم إليه أنظر ما يصنع، فإذا هو منصرف إلى دبيرة (زلقطة) يربط رجلها بخيط. فإذا شتمته أو أخرجته من الفصل، ذهب يستنجد القانون فينجده القانون الذي حرم العقوبات كلها، وكفّ يد المعلم، وشدّ لسانه بنسعة... ولا أزال في هذه الأحلام تنوء بي، فأتقلب من جنب إلى جنب، أحس كأن رأسي من الصداع بثقل أُحُد، حتى يصبح الله بالصباح، فأفيق مذعورا أخشى أن يسبقني الوقت، فلا أدري كم ركعت وكم سجدت، ولا كيف أكلت ولبست، وأهرول إلى المدرسة لا أستطيع التأخر ولو طحنتني الأوجاع، أو أحرقتني الحمّى، لأن المعلم لا يسمح له القانون أن يمرض في أيام المدرسة، وعنده أربعة أشهر ((عطلة الصيف)) يستطيع أن يمرض فيها، فإذا خالف ومرض، حرم الراتب ومنع العطاء (كان هذا قانون تلك الأيام)!

    أغدو إلى المدرسة، فأدخل على تلاميذ السنة الثالثة الأولية، وهؤلاء هم تلاميذي، لم يجدوني أهلا لأكبر منهم... فلا أنفك أقطع من عقلي لأكمل عقولهم، وأمزّق نفسي لأرقّع نفوسهم، ثم لا أفلح في تعليمهم ولا أنجح في تفهيمهم، ولا أدري من أين السبيل إلى مداركهم، فأنفق ساعة كاملة، أقلِّب أوجه القول، وأستقري عبارات اللغة، لأفهمهم كيف يكون (الاسم هو الكلمة التي تدل على معنى مستقل في الفهم وليس الزمن جزءا منه) فلا يفهمون من ذلك شيئا، ولا أقدر أن أطرح هذا التعريف السخيف أو أستبدل به، فأهذي ساعة ثم أقول: من فهم؟

    فيرفع ولد أصبعه. فأحمد الله على أن واحد قد فهم، وأقول:

    قم يا بني بارك الله فيك، فأخبرني عن معنى هذا التعريف.

    فيقول: يا أستاذ هذا داس قدمي.

    فأصيح به: ويحك أيها الخبيث! إني أسألك عن تعريف الاسم، فلماذا تضع فيه قدمك؟ ألم أقل لكم أن هذه الشكاوى ممنوعة أثناء الدرس؟

    فيقول: ولماذا يدوس هو على رجلي!؟

    فأصيح بالآخر: لم دست على رجله يا شيطان؟

    فيقول: والله لقد كذب، ما دست على رجله ولكن هو الذي عضُّني في أذني.

    فأغضب وأصرخ في وجهه: وكيف يعضّك وأنا قاعد هنا؟

    فيقول: ليس الآن، ولكنه عضّني أمس.

    ويتطوع العفاريت الصغار للشهادة للمدعي والمدعى عليه، ويزلزل الفصل، فأضرب المنصة بالعصا، وأسكتهم جميعا مهددا من يتكلم بأقسى العقوبات، ولا أدري أنا ما أقسى العقوبات هذه؟… فيخنسون ويُبْلسون فأعود إلى الدرس فإذا هو قد طار من رؤوسهم، على أنه ما استقر فيها قط!

    وينفخ في الصور، فتقوم القيامة، ويخرج الأولاد إلى الفرصة، ثم ترجع إلى درس القرآن. فأقول:

    من يحفظ سورة الفاتحة؟

    فيتصايحون: أنا… أنا… أنا.

    سكوت! واحد فقط… اقرأ أنت.

    الحمد لله رب العالمين… إياك نعبِد.

    فأقول: إياك نعبُد.

    فيقول: نعبِد.

    ويحك: نَعْ بُ د.

    فيقول: نَعْ بِ د.

    انتبه يا بني: نَعْ بود.

    فيقولها.

    حسن. قل نعبُد.

    فيقول: نعبِد.

    فلا نزال في نعبُد ونعبِد حتى ينتهي الدرس. ولا يلفظونها إلا بالكسر لأنهم حفظوها من السنة الأولى خطأ.

    * * * * * * * * * *

    ولا أزال في هذا البلاء بياض نهاري، ولا يأتي المساء وفيَّ بقية عقل، أو أثر من قوة، ثم لا أنا أرضيت الوزارة، ولا أنا نفعت أبناء المسلمين، ولا أنا انصرفت إلى مطالعاتي وكتاباتي.

    وهذه مكتبتي لم أدخلها منذ أول العام الدراسي، وهذه مشروعات المقالات والبحوث التي أكتبها، وهذه مسوَّات الكتاب الجديد الذي أؤلفه مبثوثة في جوانب الغرفة، ضائعة مهملة. أفتلومني بعد، على أني لا أجوِّد في هذه الأيام؟

    قلت: هذه والله حالي فلست ألومك، فرَّج الله عني وعنك!
     
  2. عبــدالله الشــريف

    عبــدالله الشــريف إدارة الملتقى إدارة الملتقى

    3,471
    1
    0
    ‏2008-01-03
    معلم
    مشكور يا غالي على القصة
     
  3. بدر البلوي

    بدر البلوي المدير العام إدارة الموقع

    15,729
    111
    63
    ‏2008-01-03
    الف شكر لك والبدايه ادبيه واعيه
     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏2008-01-22
  4. فهد العتيبي

    فهد العتيبي مراقب عام مراقب عام

    3,016
    8
    0
    ‏2008-01-13
    معلم
    قصة جميلة من انسان أجمل
     
  5. المجازف الازرق

    المجازف الازرق تربوي جديد عضو ملتقى المعلمين

    57
    0
    0
    ‏2009-01-03
    معلم
    يعطيك العافية اخوي على نقل هذه القصة الجميلة للطنطاوي
    والزمن تغير والحال نفسه

    ولكم خالص تحياتي
     
  6. أمير اللييل

    أمير اللييل تربوي جديد عضو ملتقى المعلمين

    303
    0
    0
    ‏2009-01-31
    أحسن الله إليك يا صاحب الموضوع


    وأفرح الله قلبك


    أما جرس الفسحة كوووم وباقي القصة كوم
    والله إن هذا اللي صاير في أغلب المدارس اليوم


    تحيتي بالورد
     
  7. وارث الطيب

    وارث الطيب عضوية تميّز عضو مميز

    1,530
    0
    0
    ‏2008-05-17
    معلم
    صدق الاستاذ
    ان هذه المعاناة التي يكابدها معلمو المدارس الابتدائية
    كانو ولا زالو يعانون من :
    كثرة تلاميذ الفصل .
    صعوبة المناهج وعدم مناسبتها لعقول المتلقي (الطفل) .
    حشو المواضيع في الكتاب دون النظر الى الكيف .
    ضعف الثقافة لدى البيت. وخاصة العربية.
    و............. تطول القائمة . ولكن الله المستعان
    شكرا لك ايها الاستاذ الفاضل .
    تحيتي وتقديري لك
     
  8. إبراهيم أبوعبدالعزيز

    إبراهيم أبوعبدالعزيز عضو سابق في مجلس إدارة الموقع عضو مميز

    5,520
    0
    0
    ‏2008-01-13
    تربوي وكاتب

    رحم الله الشيخ علي الطنطاوي وصاحبه

    وشكر الله لك يا أستاذ هذا النقل الجميل

     
  9. اللؤلؤ المكنون

    اللؤلؤ المكنون مشرفة سابقة عضو ملتقى المعلمين

    7,287
    0
    0
    ‏2008-05-17
    ...
    ..الاستاذ ..

    بارك الله فيك .. وجزاك الله خير الجزاء على هذه القصة الرائعة .. لشيخ فاضل رحمه الله

    :)
     
حالة الموضوع:
مغلق