اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1


رؤية شرعية في شعر نزار قباني

الموضوع في 'ملتقى بــوح الأقــلام' بواسطة مشعل, بتاريخ ‏2009-06-22.


حالة الموضوع:
مغلق
  1. مشعل

    مشعل عضوية تميّز عضو مميز

    4,905
    0
    0
    ‏2008-03-17
    معلم
    رؤية شرعية في شعر نزار قباني


    السيف البتار
    في نحر الشيطان نزار
    ومن وراءه من المرتدين الفجار
    وافق على نشره كل من
    سماحة الإمام العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله –
    وفضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان
    وقرظه
    سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية
    الشيخ/عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ
    المحدث العلامة حمدي السلفي
    جمع وتأليف
    من يرجو رحمة ربه وخالقه
    ممدوح بن علي بن عليان السهلي
    الطبعة الثانية
    1420ه‍ - 2000م


    المقدمة
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله المتصف بالكرم والفضل والوجود قبل وجود الوجود، والمنـزه في وحدانيته عن الآباء والأبناء والجدود، المقدس في ذاته عن الصاحبة والمصحوب والوالد والمولود، العليم بأعداد الرمل والقطر وحبات السنبل والعنقود، البصير بحركات المخلوقات في البر والبحر تحت ظلام حناديس الليالي السود. مَنْ فَجَّر الأنهار من صُمِّ الجلمود، وأخرج رطب الثمار من يابس العود، من لا تدركه الأبصار وهو الواحد المعبود، القهار الذي قهر الجبابرة، وكسر الأكاسرة، من تَفَرَّد بالخلق والتدبير، والملك والتقدير، والسلطان الكبير، من تعجَّبت الأفكار في مدارك سُبحات جماله العظيم، تعالى ربنا عن المماثل والمناسب، وجلَّ عن المشارك والمصاحب.
    مكون الأكوان، وفالق الحبِّ، وخالق الإنسان، الرحيم الرحمن، الذي تعطَّفَ العزَّ وقال به( )، ولبس المجد وتكرَّم به، ومن لا يليق التنـزيه والتقديس والتسبيح إلاَّ لـه، مَنْ رداؤه العظمة، وإزاره الكبرياء، ومَنْ يرفع القسط ويخفضه، ومَنْ حجابه النور الذي لو كُشف لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره مِنْ خلقه، صاحب التمجيد وحـده، وأهل الثناء والمجد كله، ربُّ الأولين والآخرين، ومَن الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه.
    والصلاة والسلام على نبيه المبعوث بالدين الواجب، والموصوف بأحسن الأوصاف وأجلِّ المناقب، الذي شرف به الوجود، وأخرجه مطهراً سالماً من جميع المثالب والعيوب، مَنْ خمدت لولادته النيران، وخَرَّت لمبعثه الأوثان، مَن استخرجه الله من عنصر لؤي بن غالب، وفضَّله على أهل المشارق والمغارب، ما ينطق عن الهوى ولا تحدث قطُّ بحديثٍ كَاذِب، يداه تَظْهَرُ بركتهما في المطاعم والمشارب، آمن به الضَّبُّ، وسلَّمت عليه الأشجار، وخاطبته الأحجار، وحنَّ إليه الجذع حنينَ حزين.
    خير خلق الله، نبي الرحمة، ونبي المـلحمة، وصاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، وحامل لواء الحمد يوم الدين، وقائد الغر المحجلين، ومن أُنزل على قلبه قوله تعالى : ( إيـاك نعبد وإياك نستعين ).
    نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله  وعلى الأزواج والصحب والآل ومن سار على الـنهج إلى يوم التناد.
    أما بعـد: فهذه الرسالة يخطها القلم بمداد التوحيد الصافي، وبصوت صريفه الذي مُلئَ تسبيحاً وتقديساً وخوفاً من الله تعالى أن يُطْبِقَ السماء على أهل الأرض، أو يأمر البحار أن تُغرقهم، أو يُرسل عليهم حجارةً من السماء فتهلكهم، بما اقترفوه في حق ربهم وخالقهم ورازقهم سبحانه وتعالى.
    إنَّها رسالة كل حرفٍ فيها أقر بالوحدانية لربه وخالقه جلَّ وعلا، وشهد له بأنَّه لا إله إلاَّ هو ربٌ تفرَّد بالملك والخلق والتدبير والقهر والسلطان.
    إنها رسالة كل كلمةٍ( ) فيها خرّت بين يدي ربها ساجدة مخبتة، وصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَمَنْ في الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ والجِبَالُ والشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النَّـاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْه العَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء ) [الحج:18].
    إنها رسالة تُثبتها الأوراق بين ضلوعها تعبداً لله وتقرباً، وتشهد عليها الأيام والليالي بين يدي ربها وخالقها على ما جناه ذلك الإنسان الكفور الغرور في حق ربه ومولاه، ذلك الإنسان الذي كان طفلاً ضعيفاً لا يملك لنفسه حولاً ولا قوة إلا قوة الله وعنايته، الذي كان يطعمه ويسقيه ويرعاه ويكلؤه، وإذ بذلك الطفل الضعيف الذي تربى على أفضال سيده وخالقه وبارئه سبحانه وتعالى، أعواماً عديدة، وعقوداً مديدة، يتمرَّد ويحارب ربَّه وخالقه ومولاه سخريةً واستهزاءً وشتماً عند قُوَّتِه وشبابه، وقد قال الله تعالى: ( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إلاَّ الإِحْسَان )[الرحمن:60].
    إنه نزار( ) وما أدراك ما نزار..
    نزار التكبر على الخالق القهار..
    نزار الاستهزاء بكل فضيلة وعفة..
    نزار بؤرة كل فساد وعفونة..
    نزار الكفر والردة..
    نزار الزندقة والإلحاد.
    نزار وجه الحداثة( ) الكالح، ومستنقع الوثنية الآسن.
    خنـزير طبعٍ في خليقة ناطقٍ متسوفٍ بالكذب والبهتان
    إن نزار قباني يا معاشر الفضلاء، قد أمضى 75 عاماً من حياته بين الكأس والنهد والحلمات، فهو الذي كان يلقب عند محبيه بشاعر (النهدين والحلمات)، وليته وقف عند النهود والحلمات لكان أمره إلى الله إن شاء غفر له ابتداءً وإن شاء عذبه، وهذا من أصول أهل السنة والجماعة -هذا إن كان مسلماً ولم يكن نصرانياً– ولكن نزار تجاوز الحد وركب الصعب، ولم يهدأ له بال ويغمض له جفن إلا بالاستهزاء من صاحب الفضل والكرم والجود، رب الأرباب وملك الملوك القاهر المعبود.
    إنَّ نزار قباني ما من ديوان له إلاَّ وقد ذكر فيه اسم الله عدة مرات على وجه السخرية والتنقص والاحتقار، فلماذا هذا التمرد يا نزار على ربك وخالقك؟!! ولماذا كل هذا في حق الله تعالى؟!!
    إن نزار قباني يا معاشر الفضلاء والشرفاء، ويا كل الشعراء، ويا كل الغاوين له دواوين قد مُلِئتْ بالكفر الصريح والردة الواضحة، التي إن لم تكن كفراً بواحاً فلا أعرف كفراً على وجه الأرض. ولنستعرض معاشر الفضلاء والعقلاء بعض دواوين ذلك المخذول، لنرى مبلغ ما افتراه هذا الأفَّاك، ومدى ما قام به من التنقص والسخرية من الله ورسله.
    وليُكثر القارئ الكريم ومن يخاف من سطوة الجبار وانتقامه من التهليل والتسبيح والتقديس والتمجيد لرب هذا الكون وخالقه على ما سيقرأه من أقوال هذا الأفاك الأثيم، حتى لا يأمر الله تعالى السماء أن تطبق على الأرض ومن فيها، فاللهم لك الثناء والحمد والكبرياء والمجد كله حتى ترضى.
    أقوال نزار قباني الكفرية
    من صور استهزاء نزار قباني بالله : ادعاؤه بأنَّ الله تعالى قد مات وأن الأصنام والأنصاب قد عادت، فيقول :
    (من أين يأتي الشعر يا قرطاجة..
    والله مات وعادت الأنصاب) [الأعمال الشعرية الكاملة (3/637)]
    كما يُعلن ويُقر بضياع إيمانه فيقول :
    (ماذا تشعرين الآن ؟ هل ضيعتِ إيمانك مثلي، بجميع الآلهة) [المصدر السابق (2/338)]
    كما يعترف نزار قباني بأن بلاده قد قتلت الله عز وجل فيقول:
    (بلادي ترفض الـحُبّا
    بلادي تقتل الرب الذي أهدى لها الخصبا
    وحوّل صخرها ذهبا
    وغطى أرضها عشبا..
    بلادي لم يزرها الرب منذ اغتالت الربا..) (يوميات امرأة لا مبالية) صفحة 620]
    وهنا يعترف نزار قباني بأنه قد رأى الله في عمّان مذبوحاً على أيدي رجال البادية فيقول في مجموعة (لا) في (دفاتر فلسطينية) صفحة 119:
    (حين رأيت الله.. في عمّان مذبوحاً..
    على أيدي رجال البادية
    غطيت وجهي بيدي..
    وصحت : يا تاريخ !
    هذي كربلاء الثانية..)
    أما هنا فيذكر نزار قباني بأن الله تعالى قد مات مشنوقاً على باب المدينة، وأن الصلوات لا قيمة لها، بل الإيمان والكفر لا قيمة لهما فيقول في مجموعة (لا) أيضاً في (خطاب شخصي إلى شهر حزيران) صفحة 124:
    (أطلق على الماضي الرصاص..
    كن المسدس والجريمة..
    من بعد موت الله، مشنوقاً، على باب المدينة.
    لم تبق للصلوات قيمة..
    لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة..)
    أما عن استهزائه بالدين ومدحه للكفر والإلحاد فيقول:
    (يا طعم الثلج وطعم النار
    ونكهة كفري ويقين) [الأعمال الشعرية الكاملة (2/39)]
    كما أن نزار قباني قد سئِمَ وملَّ من رقابة الله عز وجل حين يقول :
    (أريد البحث عن وطن..
    جديد غير مسكون
    ورب لا يطاردني
    وأرض لا تعاديني) [(يوميات امرأة لا مبالية) صفحة 597]
    ويعترف نزار قباني بأنه من ربع قرن وهو يمارس الركوع والسجود والقيام والقعود وأن الصلوات الخمس لا يقطعها !! وخطبة الجمعة لا تفوته، إلا أنه اكتشف بعد ذلك أنه كان يعيش في حظيرة من الأغنام، يُعلف وينام ويبول كالأغنام، فيقول في ديوانه (الممثلون) صفحة 3
    الصلوات الخمس لا أقطعها
    يا سادتي الكرام
    وخطبة الجمعة لا تفوتني
    يا سادتي الكرام
    وغير ثدي زوجتي لا أعرف الحرام
    أمارس الركوع والسجود
    أمارس القيام والقعود
    أمارس التشخيص خلف حضرة الإمام
    وهكذا يا سادتي الكرام
    قضيت عشرين سنة..
    أعيش في حظيرة الأغنام
    أُعلَفُ كالأغنام
    أنام كالأغنام
    أبولُ كالأغنام
    وكما يصف نزار قباني (الشعب) بصفات لا تليق إلا بالله تعالى فيقول في ديوانه (لا غالب إلا الحب) صفحة 18:
    أقول : لا غالب إلا الشعب
    للمرة المليون
    لا غالب إلا الشعب
    فهو الذي يقدر الأقدار
    وهو العليم، الواحد، القهار...
    كما أن للشيطان نزار قصيدة بعنوان (التنصُّت على الله) ينسب فيها الولد لله ويرميه بالجهل، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً فيقول في صفحة 170 :
    ذهب الشاعر يوماً إلى الله..
    ليشكو له ما يعانيه من أجهزة القمع..
    نظر الله تحت كرسيه السماوي
    وقال له: يا ولدي
    هل أقفلت الباب جيداً ؟؟.
    ومن صور استهزائه بالله وبحكمته في خلق مخلوقاته على ما يريده سبحانه قوله في ديوانه (أشهد أن لا امرأة إلا أنتِ) !!( ) تحت قصيدة بعنوان (وماذا سيخسر ربي؟)!! صفحة 82 :
    وماذا سيخسر ربي؟
    وقد رسم الشمس تفاحة
    وأجرى المياه وأرسى الجبالا..
    إذا هو غير تكويننا
    فأصبح عشقي أشد اعتدالا..
    وأصبحت أنتِ أقلَّ جمالا..
    ويتمادى نزار قباني في سخريته واحتقاره حتى وصل إلى ذلك اليوم الذي قال عنه الجبار تعالى ( ياأَيُها النَاسُ اتَقُوا رَبَكُم إِن زَلزَلَةَ الساعَةِ شَيءٌ عَظِيم* يَومَ تَرَونَها تَذْهَلُ كُلُ مُرضِعَةٍ عَما أَرضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُ ذَاتِ حَملٍ حَمْلَها وَتَرى الناسَ سُكَارى وَمَا هُم بِسُكَارى وَلكِنَ عَذابَ اللهِ شَدِيد ) [الحج:1-2]
    إنه يوم القيامة الذي يسخر منه نزار قباني؛ إذ يشبهه بنهدي عشيقته فيقول في ديوانه (الحب) صفحة 47:
    كيف ما بين ليلة وضحاها
    صار نهداك.. مثل يوم القيامة ؟.
    وهنا يصرح الملحد نزار قباني بأنه قد قرأ آيات من القرآن مكتوبة بأحرف كوفية عن الجهاد في سبيل الله، وعن الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن الشريعة الحنفية، لكنه لا يبارك في داخل سريرته إلا الجهاد على نحور البغايا، وأثداء العاهرات، وبين المعاصم الطرية، فيقول في ديوانه (لا) صفحة 57:
    أقرأُ آياتٍ من القرآن فوق رأسه
    مكتوبةً بأحرف كوفية
    عن الجهاد في سبيل الله
    والرسول
    والشريعة الحنيفة
    أقول في سريرتي:
    تبارك الجهاد في النحور، والأثداء
    والمعاصم الطرية..
    كما أن نزار قباني لم يسلم من استهزائه حتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم خير خلق الله أجمعين بعد الأنبياء والمرسلين فها هو يصف الصحابي الجليل أبا سفيان صخر بن حرب رضي الله عنه بأنه من الطغاة بل يجمع بينه وبين فرعون هذه الأمة أبي جهل عليه لعائن الله، فيقول في ديوانه (لا) صفحة 76:
    تعال يا غودو..
    وخلصنا من الطغاة والطغيان
    ومن أبي جهل، ومن ظلم أبي سفيان
    ويقول أيضاً :
    (ماذا أعطيكِ ؟ أجيبـي، قلقي. إلحادي. غثياني.
    ماذا أعطيكِ سوى قدرٌ يرقص في كف الشيطان) [المصدر السابق (1/406)]
    ومن أقواله التي صرح فيها بأنه قد كفر بالله العلي العظيم قوله:
    (فاعذروني أيها السادة إن كنت كفرت) [المصدر السابق (3/277)]
    وهنا يذكر نزار قباني بأن الله جل وعلا يغسل يديه من بعض خلقه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً فيقول في أعماله السياسية الكاملة صفحة 46 :
    ليس في الحيِّ كلِّه قُرشيٌّ
    غَسَلَ اللهُ من قريش يديه
    وهنا يسأل المرتد المارق نزار قباني نفسه على وجه السخرية والاستهزاء متشككاً في ربه وخالقه وصاحب الفضل عليه سبحانه وتعالى وهل قد أصبح عز وجل زعيماً لمجموعة من اللصوص والسُراق، كما يقول في أعماله السياسية الكاملة صفحة 98:
    قلت لنفسي وأنا..
    أواجه البنادق الروسية المخرطشة
    واعجبى.. واعجبى..
    هل أصبح الله زعيم المافيا؟؟
    كما يدعي نزار قباني أن الله عز وجل يغني ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فيقول في أعماله السياسية الكاملة صفحة 135:
    آهٍ.. يا آه..
    هل صار غناءُ الحاكم قُدسيّاً
    كغناء الله ؟؟.
    وهنا يثبت نزار قباني المنحدر من سلالة الشياطين أن الله عز وجل له رائحة، تعالى الله وتنزه عن ذلك، فيقول في أعماله السياسية الكاملة صفحة 455:
    الاقتراب من ناديا تويني صعبٌ..
    كالاقتراب من حمامةٍ
    مرسومةٍ على سقف كنيسة..
    كالاقتراب من ميعاد غرام..
    كالاقتراب من حورية البحر..
    كالاقتراب من ليلة القدر..
    كالاقتراب من رائحة الله..
    كما أن نزار قباني يُصرح بلا خجل ولا خوف من الله تعالى بأن هناك مِن الكائنات والمخلوقات مَن قدَّمت استقالتها الجماعية إلى الله !! وذلك بعد موت الشاعرة اللبنانية ناديا تويني فيقول في أعماله السياسية الكاملة صفحة 462:
    ولأن ناديا تويني كانت جزءاً من سفر العصافير
    وسفر المراكب
    ورائحة النعناع
    وبكاء الأمطار على قراميد بيروت القديمة
    فلقد قدَّمت كل هذه الكائنات
    استقالتها الجماعية إلى الله...
    لأنها بعد -ناديا تويني- تشعر أنها عاطلة عن العمل.
    ومن صور زندقته وجراءته على دين الله تعالى: جعله الزنا عبادة، وتشبيهه إياه بصلاة المؤمن لربه وخالقه كما ينقل ذلك منير العكش في كتابه ( أسئلة الشعر ) في مقابلة أجراها مع نزار قباني صفحة 196حيث يقول :
    (كل كلمة شعرية تتحول في النهاية إلى طقس من طقوس العبادة والكشف والتجلي…
    كل شيء يتحول إلى ديانة
    حتى الجنس يصير ديناً
    والسرير يصير مديحاً وغرفة اعتراف
    والغريب أنني أنظر دائماً إلى شِعري الجنسي بعينيْ كاهن، وأفترش شَعر حبيبتي كما يفترش المؤمن سجادة صلاة، أشعر كلما سافرت في جسد حبيبتي أني أشف وأتـطهـر وأدخل مملكة الخير والحق والضوء..
    وماذا يكون الشعر الصوفي سوى محاولة لإعطاء الله مدلولاً جنسياً ؟ )
    ومن صور استهزائه وسخريته بالجبار جل وعلا: وصفه بأن له حُجرةً قمرية يدخل فيها، يقول الملحد:
    (يكون الله سعيداً في حجرته القمرية)
    [مجموعة الأعمال الشعرية (2/188)]
    ويتمادى نزار قباني بوصف ربه وخالقه سبحانه وتعالى بكل صفات النقص والاستهزاء والعيب واصفاً إياه بأنه سبحانه: خالف كتبه السماوية، وأنه انحاز إليه بصورة مكشوفة عياذاً بالله تـعالى، وزعمه أن لله بيتاً يذهب إليه، تقدس ربنا وتنـزه، وأنه صديق لله، فيقول:
    (حين وزع الله النساء على الرجال
    وأعطاني إياك
    شعرت أنه انحاز بصورة مكشوفة إليّ
    وخالف كل الكتب السماوية التي ألفها
    فأعطاني النبيذ وأعطاهم الحنطة
    ألبسـني الحرير وألبسهم القطن
    أهدى إليَّ الوردة وأهداهم الغصن
    حين عرّفني الله عليك ذهب إلى بيته
    فكرت أن أكتب له رسالة.. على ورق أزرق
    وأضعها في مغلف أزرق.. وأغسلها بالدمع الأزرق أبدأها بعبارة : يا صديقي، كنت أريد أن أشكره..
    لأنه اختاركِ لي..
    فالله كما قالوا لي لا يستلم إلا رسائل الحب
    ولا يجاوب إلا عليها..
    حين استلمت مكافأتي، ورجعت أحملك على راحة يدي، كزهرة مانوليا..
    بُستُ يد الله، وبُستُ القمر والكواكب واحداً واحداً) [المصدر السابق (2/402)]
    ويغرق نزار قباني في أوحال الردة، ومستنقع الإلحاد، فينسب للواحد القهار الزوجة والعشيقة تعالى ربنا وتقدس، ويزعم أن الملائكة تتحرر في السماء فتمارس الزنا ( الحب ) كما يقول :
    (لأنني أحبكِ، يحدث شيءٌ غير عادي، في تقاليد السماء، يصبح الملائكة أحراراً في ممارسة الحب، ويتزوج الله حبيبته) [المصدر السابق (2/442)]
    ومن نماذج كفره العفن تشبيهه الخالق بالـمخلوق فيقول :
    (إلهٌ في معابدنا نصليه ونبتهل
    يغازلنا وحين يجوع يأكلنا …
    إلهٌ لا نقاومه يعذبنا ونحتمل
    إلهٌ ماله عمر إلهٌ اسمه الرجل) [المصدر نفسه (1/631)]
    كما أن نزار قباني بلغ من الكبرياء والاستعلاء ما بلغه فرعون في عصره حتى وصف نفسه بأنه إله الشعر يتصرف كيف يشاء، يقول :
    (إنني على الورق أمتلك حرية
    وأتصرف كـإله
    وهذا الإله نفسه هو الذي يخرج بعد ذلك إلى الناس ليقرأ ما كتب، ويتلذذ باصطدام حروفه بهم
    إن الكتـب المقدسة جميعاً ليست سوى تعبير عن هذه الرغبة الإلهية في التواصل
    وإلا حكم الله على نفسه بالعزلة) [(أسئلة الشعر) صفحة 178]
    وكذلك جعل نزار قباني الله مـحتاجاً إلى خلقه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، قال - عامله الله بما يستحق-:
    (الله يفتش في خارطة الجنة عن لبنان) [المصدر السابق (2/323)]
    كما يصف الله جل جلاله بالجهل وعدم المعرفة بخلقٍ من مخلوقاته وهو الإنسان وقلبه، فيقول :
    (…القلب الإنساني قمقمٌ رماه الله على شاطئ هذه الأرض، وأعتقد أن الله نفسه لا يعرف محتوى هذا القمقم، ولا جنسية العفاريت التي ستنطلق منه، والشعر واحد من هذه العفاريت) [( أسئلة الشعر ) صفحة 195]
    وكذلك يعترف نزار قباني للملأ أجمعين أنه قد باع الله من أجل عاهرةٍ فاجرة فيقول :
    (على أقدام مومسةٍ هنا دفنت ثاراتك..
    ضيعت القدس..
    بعت الله..
    بعت رماد أمواتك) [" على لسان لعوب " (1/448)]
    ويغوص نزار قباني في أعماق الوثنية والكفر فيجعل لله تعالى عمراً، إذ يشبه عمر حزنه على عشيقته بعمر الله، فيقول :
    (عمر حزني، مثل عمر الله، أو عمر البحور)
    [المصدر السابق (1/757)]
    ويمعن نزار قباني في الازدراء والاحتقار والاستهزاء من صاحب العظمة والكبرياء سبحانه وتعالى فيصفه بالبكاء، والعصبية، والإضراب عن الطعام، فيقول:
    (فلا تسافري مرةً أخرى
    لأن الله منذ رحلتِ دخل في نوبة بكاء عصبية
    وأضرب عن الطعام) [المصدر السابق (2/562)]
    وهنا يزداد نزار قباني استهزاءً واحتقاراً لله تعالى، فيقول:
    (ساعتنا واقفة..
    لا الله يأتينا ولا موزع البريد
    من سنة العشرين حتى سنة السبعين)
    [المصدر السابق (2/648)]
    وكما أن نزار قباني لم يهدأ له بال حتى تفنن بإلقاء الشتائم على الرب سبحانه وتعالى؛ فوصفه في هذه الـمرة بالنسيان لكلامه، فقال :
    (ولماذا نكتب الشعر وقد نسي الله الكلام العربي) [المصدر نفسه ( 2/648)]
    ويقول في الأعمال السياسية (3/105)
    (حين يصير الدمع في مدينة..
    أكبر من مساحة الأجفان..
    يسقط كل شيء..
    الشمس والنجوم والجبال والوديان..
    والليل والنهار والشطآن..
    والله والإنسان..
    حين تصير خوذة كالرب في السماء
    تصنع بالعباد ما تشاء
    تمعسهم تهرسهم تميتهم تبعثهم
    تصنع بالعباد ما تشاء)
    أما هذه المرَّة فَيَصِلُ نزار قباني إلى مرحلة من الاستعلاء لم يصل إليها أحد من العالمين، فيصف نفسه بالربوبية والرسالة لـعشيقته عياذاً بالله من كل مرتدٍ وكافر، فيقول:
    (لا تخجلي مني فهذي فرصتي
    لأكون رباً أو أكون رسولاً) [المصدر نفسه (2/761)]
    ويقول أيضاً :
    (لا أحد يقدر أن يغادر المكان يشتري جريدة أو كعكة أو قطعة صغرى من اللبان لربه
    لا أحد يقدر أن يقول: يارباه لا أحد) [المصدر السابق (3/292)]
    كما يسعى نزار قباني إلى تدنيس أسماء الله تعالى وصفاته ويلصقها بأشياء حقيرةٍ؛ وذلك ليهوّن من شأنها وقدرها في قلوب عباده، فيقول:
    (ونهدك هذا المليء المضيء، الجريء، العزيز القدير) [المصدر السابق (2/820)]
    وفي ديوانه (قالت لي السمراء) وتحت قصيدة له بعنوان (فم) يسأل الله عز وجل عن كيفية خلق فم حبيبته ومعشوقته بطريقةٍ كلها استهزاء وسخرية، فيقول في صفحة 107:
    (من أين يا ربي عصرت الجنى؟..
    وكيف فكرت بهذا الفمِ..
    وكيف بالغت بتدويره..
    وكيف وزعت نقاط الدمِ ؟..
    كم سنةً ضيعت في نحته ؟..
    قل لي. ألم تتعب..؟ ألم تسأم؟).
    وكذلك يشجع نزار قباني كل شيء ليستكبر على الله تعالى، بل ويشجع كل شيء على أن يرفض السجود بين يدي الله عز وجل فيقول في صفحة 45:
    (وشجعت نهديك..فاستكبرا على الله..حتى فلم يسجدا).
    كما أنه يُشبِّه وجه حبيبته بوجه الله تعالى، فيقول في المصدر نفسه صفحة 55:
    (في شكل وجهك أقرأ شكل الإله الجميل).
    ويعترف نزار قباني في دواوينه السوداء - بعد وصف النهد على صدر عشيقته - بأنه يعبد الأصنام مع علمه بإثم ذلك، فيقول في صفحة 124:
    (على القميص الـمُنْعَمِ صنمانِ عاجيانِ..
    قد ماجا ببحرٍ مضرمٍ صنمانِ..
    إني أعبد الأصنام رغم تأثمي..).
    وفي كتابه (قصتي مع الشعر) يقول نزار قباني في ملحق الصور:
    (قرري أنتِ إلى أين ؟
    فإن الحب في بـيروت
    مثل الله في كل مكان !..).
    قلت: تعالى ربنا وتقدس عن قول هذا الأفاك الجاهل الأثيم، فالله تعالى في كل مكان بعلمه وإحاطته لا بذاته.
    وهو يُعلن أيضاً أنه يـحترف عبادة النساء، فيقول في المصدر السابق صفحة 153:
    (أنا لا أحترف قتل الجميلات
    وإنما أحترف عبادتـهن).
    ويصرح نزار قباني بسخف الأحكام الشرعية؛ بغمزه ولمزه لها بقوله في قصيدته (الخرافة)!! في ديوان (قصائد متوحشة) صفحة 29 :
    (حين كنا في الكتاتيب صغاراً..
    حقنونا بسخيف القول ليلاً ونهاراً..
    درّسونا..
    ركبة المرأة عورة
    ضحكة المرأة عورة).
    ويقول في (أشعار مجنونة) صفحة 190:
    (ما الذي يفعله ضوء القمر ببلادي..
    ببلاد الأنبياء..
    وبلاد البسطاء..
    فالملايين التي تركض من دون نعال..
    والتي تؤمن في أربع زوجات.. وفي يوم القيامة).
    ويخاطب نزار قباني عشيقته متمرداً على جميع الشرائع بقوله:
    (أحاول سيدتي أن أحبك..
    خارج كل الطقوس..
    وخارج كل النصوص..
    وخارج كل الشرائع والأنظمة) [قصيدته (خمسون عاماً في مديح النساء) صفحة 211]
    كما يرفض الشيطان نزار أن يتلقى الأوامر من ربه ومولاه جلَّ في علاه بقوله:
    (لا تستبدي برأيك فوق فراش الهوى..
    لأني من الله.. لا أتلقى الأوامر) [قصيدته (سيبقى الحب سيدتي) صفحة 140]
    وهنا يبدأ الشيطان نزار مرة أخرى بالاستهزاء من الله تعالى وأنبيائه الكرام، فيقول:
    (وطن بدون نوافذ..
    هربت شوارعه.. مآذنه.. كنائسه..
    وفر الله مذعوراً..
    وفر جميع الأنبياء) [قصيدته (هل تسمعين صهيل أحزاني) صفحة 188]
    كما يتخذ نزار قباني إلـهه هواه فيقول:
    (هو الهوى.. هو الهوى..
    الملك القدوس
    والآخر القادر) [قصيدته السابقة صفحة 63]
    قلت: وصدق الله القائل في محكم كتابه ( أَفَرأيتَ مَنِ اتّخَذَ إِلَهَـهُ هَواهُ وأَضَلهُ الله على عِلمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلبِه وَجَعَلَ عَلى بَصَرِه غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعدِ الله أَفَلا تَذكَرون ) [الجاثية:23].
    وهنا يتخذ نزار قباني من القرآن الكريم مادةً وطريقاً إلى مجونه وإلحاده، فيقول:
    (وسوف تقولين.. في ذات يومٍ حزين..
    سلام على الحب..
    يوم يعيش..
    ويوم يموت..
    ويوم يبعث حياً) [المصدر السابق صفحة 141]
    ولنـزار قباني قصيدة بعنوان (الرب العاشق) يصف فيها إله الأولين والآخرين ومالك يوم الدين سبحانه وتعالى بصورة مهينة، فيقول:
    (سيدتي.. حبك صعب..
    حبك صعب.. حبك صعب..
    لو عانى الرب كما عانيت..
    لصاح من البلوى: يا رب) [المصدر السابق صفحة 46]
    ويقول أيضاً:
    (كل العبادات في شرقنا العربي أفلست
    كل أصنام القش والتبن تساقطت
    صارت البندقية خُلاصة المعبد
    وخُلاصة كل العبادات) [المصدر السابق صفحة 233]
    كما يصف الخبيث العبودية - التي هي أعز وأشرف شيءٍ عند المؤمنين - بالمرأة العاقر، بينما الحرية عنده هي المرأة الولود، فيقول:
    (إن خوفي الحقيقي على الشعر هو الخوف من العبودية فالعبودية امرأة عاقر..
    أما الحرية فامرأة تطرز العالم بالشعر والحب والأطفال …) [المصدر السابق صفحة 253]
    وهنا يعتقد الخبيث بعقيدتين لدى النصارى وهي: صلب نبي الله عيسى، وعقيدة التعميد لديهم فيقول :
    (امنحيني وطناً في معطف الفرو الرمادي..
    اصلبيني بين نهديك مسيحاً..
    عمِّديني بمياه الورد.. وعطر البيلسان) [ديوانه ( أشعار خارجة على القانون ) صفحة20]
    أما عن سخريته واحتقاره لكتب الصلاة والعبادة والدين وهو يشكر معشوقته على حبها فيقول عن ذلك:
    (شكراً من الأعماق..
    يا من جئتِ من كتب العبادة والصلاة..
    شكراً لخصركِ.. كيف جاء بحجم أحلامي …)
    [المصدر السابق صفحة 25]
    وهنا يطعن المارق نزار قباني في أنبياء الله الكرام عليهم الصلاة والسلام وعليه اللعنة والغضب فيصفهم بالحيرة أمام حبه لمعشوقته فيقول:
    (شكراً لحبك فهو مروحةٌ.. وغمامةٌ..ورديةٌ …
    وهو المفاجأة التي قد حار فيها الأنبياء…) [المصدر السابق صفحة 27]
    كما يعترف نزار قباني بالشك في ربوبية الله تعالى فيقول:
    (يا إلهي: إن كنت رباً حقيقياً.. فدعنا عاشِقينا).
    [المصدر السابق صفحة 65]
    وكذلك يعترف بأنه صلى، ولكن في معابد لا إله لها ! يقول:
    (صليت في معابد ليس لها إله..
    وأرخص الخمور ذقت). [المصدر السابق صفحة 75]
    ومن قبيح كفره قوله:
    (رجلٌ أنا كالآخرين.. بطهارتي.. بنذالتي..
    رجلٌ أنا كالآخرين..
    فيه مزايا الأنبياء..
    وكفر الكافرين) [المصدر السابق صفحة 126]
    أقول: مزايا الأنبياء بينك وبينها -يا نزار- كما بين المشرق والمغرب، وشتان شتان ما بين ماء زمزم وبول الخنازير.
    وقوله:
    (وكتبت شعراً.. لا يشابه سحره..
    إلا كلام الله في التوراة). [ديوانه (الرسم بالكلمات) صفحة 14]
    كما يعترف نزار قباني بأنه مارس عبادات كثيرة بلغت الألف، لكنه لم يجد أفضل من عبادة ذاته حين يقول:
    (مارست ألف عبادةٍ وعبادة
    فوجدت أفضلها عبادةَ ذاتي).[المصدر السابق صفحة 17]
    ويقول في صفحة 42:
    (شيدت للحب الأنيق معابداً
    وسقطت مقتولاً.. أمام معابدي..).
    ويقول في صفحة 51:
    (طفلٌ نداريه ونعبده مهما بكى معنا.. وأبكانا..).
    ويعترف أيضاً بعبادة وجه حبيبته وعشيقته، فيقول:
    (فلا وجهكِ الوجه الذي قد عبدته
    ولا حُسنكِ الـحُسن الذي كان مُنْزَلا) [المصدر السابق ص 77]
    كما يُظهر نزار قباني مدى تعلقه بعبادات وطقوس النصارى فيقول:
    (لو كنتِ في مدريد في رأس السنة..
    كنا ذهبنا آخر الليل إلى الكنيسة..
    كنا حملنا شمعنا وزيتنا..
    لسيد السلام والمحبة..
    كنا شكونا حزننا إليه..
    كنا أرحنا رأسنا لديه) [المصدر السابق ص91]
    ويتمرد نزار قباني على خالقه وربه سبحانه وتعالى فيرفض منه الإحسان بقوله:
    (أنا أرفض الإحسان من يدي خالقي) [المصدر السابق ص 94]
    أقول: فمن أين يا نزار نَفَسُك وطعامك وشرابك وصحتك وعقلك وشكلك وما أنت مغموسٌ فيه من النعم؟ أليس هذا من إحسان الكريم الجواد الذي يُعطي العطايا بغير حساب؟ ( قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أكْفَرَه ).
    ويشبه نزار قباني أمر عشيقته ونـهيها بأمر الله تعالى ونـهيه، يقول:
    (وحشيةً..كقطةٍ تموءُ في العراءِ..
    آمرةً.. ناهيةً كالرب في السماء) [المصدر السابق ص113]
    ويقول في ديوانه (قصائد) في صفحة 135:
    (قد كان ثغرك مرةً ربي، فأصبح خادمي..).
    ويقول:
    (أمات أبوك ؟ ضلالٌ..
    أنا لا يموت أبي..
    ففي البيت منه:
    روائحُ ربٍ وذكرى نبي) [المصدر السابق ص 147]
    ويقول أيضاً:
    (بعيداً عن مدينتنا التي من يوم أن كانت..
    إليها الحب لا يأتي..
    إليها الله.. لا يأتي..). [المصدر السابق ص 23]
    وكما أنه يشبه عشيقته التي تشطر شفتيه إلى نصفين بنبي من أنبياء الله تعالى موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام حينما شطر البحر بأمر ربه ومولاه، فيقول:
    (تعَرَّيْ..
    واشطُري شفتي.. إلى نصفين..
    ياموسى بسيناء). [المصدر السابق ص 25]
    ويقول:
    (أرجوكِ بالأوثان يا سيدتي إن كنتِ تؤمنين في عبادة الأوثان). [المصدر السابق ص 101]
    ويطلب نزار قباني من عشيقته وحبيبته أن تُرجع الله عز وجل إلى سمائه، والماء إلى بحره، فيقول:
    (أرجوكِ ياسيدتي..
    أن تُرجعي إلى البحار الماء..
    والربَّ للسماء). [المصدر السابق ص 105]
    ويصف نزار قباني الله عز وجل بالغرور، فيقول:
    (عندي خطابٌ أزرق
    ما مر في ذاكرة البحور
    عندي أنا لؤلؤة..
    أين غرور الله من غروري؟) [(خطاب من حبيبتي) ص 426]
    ويدعي نزار قباني بأن ثياب الله عز وجل قد بيعت في بلاده بالمزاد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فيقول في أعماله السياسية الكامله صفحة 569:
    حتى ثياب الله في بلادنا
    تُباع بالمزاد !!..
    وهنا يصل نزار قباني إلى أقبح صور الاستهزاء والسخرية من الجليل العظيم سبحانه وتعالى فيصفه متشككاً بأن الله تعالى قد يستقيل من سمائه، فيقول في أعماله السياسية الكاملة صفحة 554:
    هل ممكن ؟ هل ممكن؟
    أن يستقيل الله من سمائه
    وأن تموت الشمس
    والنجوم
    والبحار
    والغابات
    والرسول والملائكة..
    أقول: كيف يستقيل الله عز وجل من سمائه يا نزار قباني ويا كل المستهزئين الساخرين وهو خالق هذا الكون ومدبره ورازقه.
    كيف يستقيل الله يا نزار قباني من سمائه ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبةٍ في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتابٍ مبين ).
    كيف يستقيل الله يا نزار قباني من سمائه ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليُقضى أجلٌ مسمى ).
    كيف يستقيل الله يا نزار قباني من سمائه ( وهو القاهر فوق عباده ).
    كيف يستقيل الله يا نزار قباني من سمائه و ( هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ).
    كيف يستقيل الله يا نزار قباني من سمائه وهو ( الله الذي رفع السموات بغير عمدٍ ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كلٌ يجري لأجلٍ مسمى)
    كيف يستقيل الله يا نزار قباني من سمائه ( وله من في السموات والأرض كلٌ له قانتون ).
    كيف يستقيل الله يا نزار قباني من سمائه ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ).
    يا نزار قباني ( ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كلٌ يجري إلى أجلٍ مسمى وأن الله بما تعملون خبير ).
    يا نزار قباني ( ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليُريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبارٍ شكور ).
    ولنستمع أخيراً إلى ما قاله زعيم الشياطين والأبالسة نزار قباني قبل الموت، وفي مرضه الأخير، كما نقلت ذلك جريدة الثورة السورية بتاريخ 3/5/1998م يقول:
    (السكنى في الجنة..
    والسكنى في دمشق.. شيء واحد..
    الأولى تجري من تحتها الأنهار..
    والثانية تجري من تحتها القصائد والأشعار).
    أقول : إن هذه الجنة يا نزار التي تسخر منها وتساويها بدمشق قد قال الله عنها: ( مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أُكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار ) [الرعد:35]
    وقال تعالى: ( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناتٍ تجري من تحتها الأنهار يحلَّون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً ولباسهم فيها حرير ) [الحج:23]
    وقال تعالى: ( مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من مآءٍ غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمرٍ لذةٍ للشاربين وأنهار من عسل مصفّى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم ) [محمد:15]
    وقال تعالى: ( إن المتقين في مقام أمين * في جناتٍ وعيون * يلبسون من سندسٍ وإستبرق متقابلين * كذلك وزوجناهم بحور عين * يدعون فيها بكل فاكهة آمنين ) [الدخان:51-55].
    إنها جنة الخُلد يا نزار قباني التي يشتاق إليها أهل دمشق وأهل الأرض كلهم من مؤمنين وصالحين.
    فاللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى بجودك وكرمك ورحمتك، بجوار حبيبك وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم وجميع الأنبياء والصديقين والشهداء.
    وبعد فهذا هو نزار قباني يا معاشر الفضلاء والشرفاء، وهذا هو شعره الذي خرج من بين شفتيه وخطه بـيمينه، تلك اليمين التي ستقف بين يدي ربها، وقوفَ ذُلٍ وانكسارٍ وإجلالٍ لصاحب الجلال والعظمة، القائل في محكم تنـزيله: ( يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِم أَلْسِنَتُهُم وَأيْدِيهم وَأَرْجُلُهُمْ بمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [النور :24]
    والقائل تعالى: ( اليَوْمَ نخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِم وتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهم وَتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ بمَا كانُوا يَكْسِبُونَ ) [يس :65]
    والقائل تعالى: ( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ الله إلى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُون * حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بمَا كَانُواْ يَعْمَلُون*وَقَالُوا لِجلُودِهَمْ لِمَ شَهِدتُّم عَلَيْنَا قَالُواْ أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُم أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون )[فصلت: 19-21]
    فـلا إله إلا الله، ما أعظمها من كلمات لو نزلت على الجبال الرواسي لتصدعت، أو على الصخور الصماء لتشققت من خشية الواحد الديان.
    وبعد الفراغ من أقوال نزار قباني التي مُلئت بالألفاظ الصريحة في شتم الله سبحانه وتعالى والاستهزاء به، والتنقص له ولأنبيائه الكرام صلوات الله وسلامه عليهم، نستعرض الأدلة الشرعية الربانية على كفر المستهزئ بالله تعالى، أو برسله صلوات الله وسلامه عليهم، أو بشيء من دينه، وردته، وأقوال أهل العلم والعلماء ومن ورثوا علم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمثال نزار قباني، وحكم الإسلام فيه وفي أمثاله.
    الأدلة الشرعية من القرآن الكريم على كفر المستهزئ بالله تعالى أو برسله
    الكِرام أو بشيءٍ من دينه ورِدَّتِه
    الدليل الأول:
    قال الله تعالى: ( يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَنْ تَنَـزَّل عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بمَا في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُون * وَلَئِنْ سَأَلتَهُمْ لَيَقُولُن إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبالله وآياتِهِ وَرَسُولـِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائفةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائفَةً بَأَنـَّهـُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ) [التوبة:64-66]
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير هذه الآيات:
    ( فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفراً، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفرٌ يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدلَّ على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرَّم الذي عرفوا أنه محرَّم، ولكن لم يظنوه كفراً، وكان كفراً كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه)( )
    وقال أيضاً في موضع آخر: (وهذا نصٌ في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، فالسبُّ المقصود بطريق الأولى، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم جاداً أو هازلاً فقد كفر)( )
    وقال أيضاً: (تدل على أن الاستهزاء بالله كفر، وبالرسول كفر من جهة الاستهزاء بالله وحده كفر بالضرورة فلم يكن ذكر الآيات والرسول شرطاً، فعلم أن الاستهزاء بالرسول كفر، وإلا لم يكن لذكره فائدة، وكذلك الآيات)( )
    الدليل الثاني:
    قال الله تعالى: ( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِالله ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمنُواْ مِنْكُم وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُم عَذَابٌ ألِيمٌ * يَحْلِفُونَ بِالله ليُرضُوكُمْ واللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أنْ يُرضُوه إنْ كَانُواْ مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيم) [التوبة:61-63]
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية مفسراً هذه الآيات: (ودل ذلك على أن الإيذاء والمحادّة كفر؛ لأنه أخبر أن له نار جهنم خالداً فيها، ولم يقل: هي جزاؤه، وبـين الكلامين فرق، بل المحادّة هي المعاداة والمشاقّة، وذلك كفر ومحاربة، فهو أغلظ من مجرد الكفر، فيكون المؤذي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كافراً، عدوّاً لله ورسوله، محارباً لله ورسوله)( )
    الدليل الثالث:
    قال الله تعالى: ( إنَّ الذِينَ يُؤْذونَ الله ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً * وَالذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنينَ وَالـْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكتَسَبُواْ فَقَد احْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْمَاً مُّبِيناً ). [الأحزاب:57-58]
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض هذه الآيات: (ودلالتها من وجوه:
    أحدها: أنه قرن أذاه بأذاه كما قرن طاعته بطاعـته، فمن آذاه فقد آذى الله تعالى، وقد جاء ذلك منصوصاً عنه، ومن آذى الله فهو كافر حلال الدم، يبين ذلك أن الله تعالى جعل محبة الله ورسوله وإرضاء الله ورسوله وطاعة الله ورسوله شيئاً واحداً… وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه وإخباره وبيانه، فلا يجوز أن يفرق بين الله ورسوله في شيءٍ من هذه الأمور.
    وثانيها: أنه فرّق بين أذى الله ورسوله وبين أذى المؤمنين والمؤمنات، فجعل على هذا أنه قد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً، وجعل على ذلك اللعنة في الدنيا والآخرة وأعدّ له العذاب المهين، ومعلوم أن أذى المؤمنين قد يكون من كبائر الإثم وفيه الجلد، وليس فوق ذلك إلاَّ الكفر والقتل.
    الثالث: أنه ذكر أنه لعنهم في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذاباً مهيناً، واللعن: الإبعاد عن الرحمة، ومن طرده عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكون إلا كافراً، فإن المؤمن يقرب إليها بعض الأوقات، ولا يكون مباح الدم؛ لأن حقن الدم رحمة عظيمة من الله، فلا يثبت في حقه)( )
    الدليل الرابع:
    قال تعالى: { يَا أَ يُّهَا الَّذِينَ آمنُواْ لا تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُون } [الحجرات: 2].
    قال ابن تيمية رحمه الله: (فإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي والجهر له بالقول يُخاف منه أن يكفر صاحبه وهو لا يشعر ويحبط عمله بذلك، وأنه مظنة لذلك وسببٌ فيه، فمن المعلوم أنَّ ذلك لما ينبغي له من التعزير والتوقير والتشريف والتعظيم والإكرام والإجلال، ولما أن رفع الصوت قد يشتمل على أذى له،( ) واستخفافٍ به، وإن لم يقصد الرافع ذلك، فإذا كان الأذى والاستخفاف الذي يحصل في سوء الأدب من غير قصد صاحبه يكون كفراً، فالأذى والاستخـفاف المقصود المتعمد كفر بطريق الأولى)( )
    قلت : هذا في حق من جهر بصوته ورفعه أمام خير خلق الله صلى الله عليه وسلم وإن كان من دون قصد أو تعمد يُخشى عليه الكفر بعد الإيمان فكيف بمن وصف رب محمدٍ صلى الله عليه وسلم وإله الأولين والآخرين بقوله: (والله مات وعادت الأنصاب).
    وبقوله: (بلادي تقتل الرب الذي أهدى لها الخصبا).
    وقوله: (حين رأيت الله مذبوحاً في عمان).
    وقوله: (من بعد موت الله مشنوقاً على باب المدينة).
    وقوله: (ويتزوج الله حبيبته).
    وغير ذلك من الزندقة والردة التي تفوه بها نزار قباني وقالها، فاللهم رحماك رحماك بـعبادك الذين أنابوا إليك وخروا سُجّداً بين يديك.
     
  2. مشعل

    مشعل عضوية تميّز عضو مميز

    4,905
    0
    0
    ‏2008-03-17
    معلم
    الأدلة من السنة النبوية المطهرة
    الدليل الأول:
    ما راوه أبو داود بسنده عن علي : (أن يهودية كانت تشتم النبي  وتقع فيه، فخنقها رجلٌ حتى ماتت، فأبطل رسول الله  دمها)( )
    قال العلاَّمة المحدِّث شمس الحق العظيم آبادي في شرحه لهذا الحديث: (فيه دليل على أنه يقتل من شتم النبي  وقد نقل ابن المنذر الاتفاق على أن من سب النبي  صريحاً وجب قتله)( )
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرحه لهذا الحديث: (وهذا الحديث نَصٌّ في جواز قتلها لأجل شتم النبي ، ودليلٌ على قتل الرَّجل الذِّمِّي وقتل المسلم والمسلمة إذا سبَّا بطريق الأولى )( )
    الدليل الثاني:
    ما رواه أبو داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن أعمى كان على عهد رسول الله ، وكانت له أم ولد وكان له منها ابنان، وكانت تكثر الوقيعة برسول الله  وتسبه، فيزجرها فلا تنـزجر، وينهاها فلا تنتهي، فلمَّا كان ذات ليلة ذكرت النبي  فوقعت فيه فلم أصبر أن قمت إلى المِغول( ) فوضعته في بطنها فاتكأت عليه فقتلتها فأَصْبَحَت قَتِيلاً، فذُكِرَ ذلك للنبي  فجمع الناس وقال: أنْشُد الله رجلاً لي عليه حقٌ فعل ما فعل إلاَّ قـام، فأقبل الأعمى يتدلدل( )، قال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت أم ولدي وكانت بي لطيفة رفيقة، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، ولكنها كانت تُكْثِرُ الوقيعة فيك وتشتمك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنـزجر، فلما كانت البارحة ذَكَرْتُكَ فوقعت فيك، فقمت إلى المِغول فوضَعْتُه في بطنها فاتكأت عليها حتى قتلتها. فقال رسول الله  ألا اشهدوا أنَّ دَمَها هدرٌ)( )
    قال العلاَّمة المُحَدِّث السندي في حاشيتة على سنن النسائيّ: (وفيه دليل على أنَّ الذِّمي إذا لم يَكُفّ لسانه عن الله ورسوله فلا ذِمَّة له فيحل قتله. والله تعالى أعلم)( )
    قال ابن تيمية: (قال الخطابي: فيه بيان أن سابّ النبي  يقتل، وذلك أنَّ السبّ منها لرسول الله  ارتدادٌ عن الدين)( )
    الدليل الثالث:
    ما رواه البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله  قال رسول الله : (مَنْ لكعب بن الأشرف؟ فإنَّه قد آذى الله ورسوله). فقال محمد بن مسلمة: يارسول الله أتحب أن أقتله ؟ قال: (نعم) قال: ائذن لي فلأقل. قال: (قُل). فأتاه فقال له وذكر ما بينهما. وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقةً. وقد عنَّانا، فلمَّا سمعه قال: وأيضاً والله ! لتملُّنَّه. قال: إنَّا قد اتبعناه الآن. ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيءٍ يصير أمره. قال: وقد أردت أن تسلفني سلفاً. قال: فما ترهنني ؟ قال: ما تريد. قال: ترهنني نساءكم. قال: أنت أجمل العرب. أنرهنك نساءنا؟ قال له: ترهنوني أولادكم. قال: يُسَبُّ ابن أحدنا. فيقال: رُهِنَ في وسقين من تمر. ولكن نرهنك اللأمة (يعني السلاح). قال: فنعم. وواعده أن يأتيه بالحارث وأبي عبس بن جبر وعباد بن بشر. قال: فجاؤوا فدعوه ليلاً. فنـزل إليهم. قال سفيان: قال غير عمرو: قالت له امرأته: إني لأسمع صوتاً كأنه صوت دم. قال: إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه وأبو نائلة، إن الكريم لو دعى إلى طعنة ليلاً لأجاب. قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه فإذا استمكنت منه فدونكم. قال: فلمَّا نزل، نزل وهو متوشِّحٌ. فقالوا: نجد منك ريح الطيب. قال: نعم. تحتي فلانة. هي أعطر نساء العرب. قال: فتأذن لي أن أشُمَّ منه. قال: نعم. فشم. فتناول فشم. ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستمكن من رأسه. ثم قال: دونكم. قال: فقتلوه.( )
    قال الإمام النووي: (فقال الإمام المازري: إنما قتله كذلك لأنه نقض عهد النبي  وهجاه وسبّه)( )
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقال الواقدي: حدَّثني إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: قال مروان بن الحكم وهو على المدينة وعنده ابن يامين النَّضري: كيف كان قتل ابن الأشرف؟ قال ابن يامين: كان غدراً، ومحمد بن مسلمة جالسٌ شيخ كبير، فقال: يا مروان أيُغَدَّر رسول الله  عندك؟ والله ما قتلناه إلاَّ بأمر رسول الله ، والله لا يؤويني وإياك سقف بيتٍ إلاَّ المسجد، وأما أنت يا ابن يامين فللَّه عليَّ إن أفلت وقدرت عليك وفي يدي سيف إلا ضربت به رأسك، فكان ابن يامين لا ينـزل من بني قريظة حتى يبعث له رسولاً ينظر محمد بن مسلمة، فإن كان في بعض ضياعه نزل فقضى حاجته ثم صدر، وإلاَّ لم ينـزل، فبينا محمدٌ في جنازة وابن يامين في البقيع فرأى محمّدٌ نعشاً عليه جرائد يظنه لا يراه، فعاجله، فقام إليه الناس، فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ما تصنع؟ نحن نكفيك، فقام إليه فلم يزل يضربه جريدةً جريدةً حتى كسر ذلك الجريد على وجهه ورأسه حتى لم يترك به مصحاً، ثم أرسله ولا طباخ به، ثم قال: والله لو قدرت على السيف لضربتك به)( )
    الدليل الرابع:
    ما رواه النسائي عن أبي برزة الأسلمي قال[​IMG]أغلظ رجلٌ لأبي بكر الصديق، فقلت: أقتله، فانتهرني وقال: ليس هذا لأحَدٍ بعد رسول الله )( )
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرحه لحديث أبي برزة الأسلمي: (وقد استدل به على جواز قتل ساب النبي  جماعة من العلماء منهم أبو داود، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو بكر عبد العزيز، والقاضي أبو يعلى، وغيرهم من العلماء، وذلك لأنَّ أبا برزة لمَّا رأى الرجل قد شتم أبا بكر وأغلظ له حتى تغيَّظ أبوبكر استأذنه في أن يقتله بذلك، وأخبره أنه لو أمره لقتله، فقال أبو بكر: ليس هذا لأحدٍ بعد النبي . فعلم أن النبي  كان له أن يقتل من سَبَّه ومن أغلظ له، وأنَّ له أن يأمر بقتل من لا يعلم الناس منه سبباً يبيح دمه، وعلى النَّاس أن يطيعوه في ذلك، لأنَّه لا يأمر إلاَّ بما أمر الله به، ولا يأمر بمعصية الله قط، بل من أطاعه فقد أطاع الله. فقد تضمَّن الحديث خصيصتين لرسول الله :
    إحداهما: أنه يطاع في كل من أمر بقتله.
    والثانية: أن له أن يقتل من شتمه وأغلظ له.
    وهذا المعنى الثاني الذي كان له باقٍ في حقه بعد موته، فكل من شتمه أو أغلظ في حقه كان قتله جائزاً، بل ذلك بعد موته أوكد وأوكد، لأن حرمته بعد موته أكمل، والتساهل في عرضه بعد موته غير ممكن. وهذا الحديث يفيد أنَّ سَبَّه في الجملة يبيح القتل، ويستدل بعمومه على قتل الكافر والمسلم)( )
    الدليل الخامس:
    ما رواه أبو داود عن سعد ابن أبي وقاص  قال: لمَّا كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفَّان، فجاء به حتى أوقفه على النبي ، فقال: يارسول الله بَايِعْ عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه - ثلاثاً - كلُّ ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال: (أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله)؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت لنا بعينك؟ قال: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين)( )
    قال شيخ الإسلام شارحاً هذا الحديث: (فوجه الدلالة أنَّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح افترى على النبي  أنه كان يُتَمِّم له الوحي ويكتب له ما يريد، فيوافقه عليه، وأنه يُصَرِّفه حيث يشاء، ويغيِّر ما أمره به من الوحي، فيُقرُّه على ذلك، وزعم أنه ينـزل مثل ما أنزل الله، إذ كان قد أوحي إليه في زعمه كما أوحي إلى رسول الله ، وهذا الطعن على رسول الله  وعلى كتابه، والافتراء عليه بما يوجب الريب في نبوته قدر زائد على مجرَّد الكفر به والردة في الدين، وهو من أنواع السب)( )
    الدليل السادس:
    عن أنس بن مالك : أن النبي  دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المِغْفَرُ فلما نزعه جَاءهُ رجُلٌ فقال: ابن خطلٍ متعلق بأستار الكعبة، فقال: (اقتله)( )
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرحه لهذا الحديث: (فثبت أن هذا التغليظ في قتله إنما كان لأجل السَّبِّ والهجاء، وأن السَّابَّ وإن ارتد، فليس بمنـزلة المرتد المحض يقتل قبل الاستتابة، ولا يؤخر قتله، وذلك دليلٌ على جواز قتله بعد التوبة. وقد استدل بقصة ابن خطل طائفةٌ من الفقهاء على أن من سَبَّ النبي  من المسلمين يقتل - وإن أسلم - حدّاً)( )
    أقوال أهل العلم فيمن استهزأ بالله تعالى
    أو برسله الكِرام أو بشىءٍ من دينه
    تعريف الشتم والسَّبّ في اللغة:
    قال ابن منظور : (الشتم: قبيح الكلام وليس فيه قذف)( )
    وقال الراغب الأصفهاني : (السَّبُّ: الشتم الوجيع، قال تعالى: {وِلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] وسبهــم الله ليس على أنهم يسبونه صريحاً، ولكنهم يخوضون في ذكره، فيذكرونه بما لايليق، ويتمادون في ذلك بالمجادلة فيزدادون في ذكره بما تنـزه تعالى عنه)( )
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (السَّبُّ ... هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يُفهم منه السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم، كاللعن، والتقبيح، ونحوه)( )
    وقال الحافظ ابن حجر: (الشتم: هو الوصف بما يقتضي النقص)( )
    أقوال علماء الشريعة وأئمة السنة
    قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (من سبَّ الله ورسوله، أو سبَّ أحداً من الأنبياء فاقتلوه)( )
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إنَّ سَبَّ الله أو سَبَّ رسوله كفرٌ ظاهراً وباطناً، سواء كان السابُّ يعتقد أنَّ ذلك محرَّماً أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل)( )
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه وهو أحد الأئمة، يعدل بالشافعي وأحمد: قد أجمع المسلمون أنَّ مَنْ سَبَّ الله أو سَبَّ رسوله عليه الصلاة والسلام، أو دفع شيئاً مما أنزل الله، أو قتل نبياً من أنبياء الله، أنه كافر بذلك وإن كان مقراً بما أنزل الله)( )
    وقال أيضاً: (قال أصحابنا: التعريض بسبِّ الله وسبِّ رسوله صلى الله عليه وسلم رِدَّة، وهو موجب للقتل، كالتصريح)( )
    وقال القاضي عياض: (جميع مَنْ سَبَّ النبي صلى الله عليه وسلم، أو عابه، أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله، أو عرض به شبهة بشيء على طريق السَبِّ له، والإزراء عليه، أو الغض منه والعيب له، فهو سابٌّ له، والحكم فيه حكم الساب: يقتل)( )
    وقال ابن تيمية: (فإنْ نَظَم ذلك شعراً كان أبلغ في الشتم ؛ فإن الشعر يُحفظ ويروى وهو الهجاء، وربما يُؤَثِّر في نفوس كثيرة مع العلم ببطلانه أكثر من تأثير البراهين، فإن غُنِّي به بين ملأ من الناس فهو الذي تفاقم أمره)( )
    وقال شيخ الإسلام أيضاً: (قال محمد بن سحنون وهو أحد الأئمة من أصحاب مالك، وزمنه قريب من هذه الطبقة: أجمع العلماء أن شاتم النبي عليه الصلاة والسلام المنتقص له كافر، والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كَفَر)( )
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: (قال القاضي أبو يعلى في المعتمد: من سب الله أو سب رسوله فإنه يكفر، سواء استحلَّ سبه أو لم يستحله…؛ لأنه لا غرض له في سب الله وسب رسوله إلا أنه غير معتقد لعبادته، غير مصدق بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام)( )
    وقال ابن القاسم عن مالك: (من سب النبي صلى الله عليه وسلم قتل ولم يُستتب) قال ابن القاسم[​IMG]أو شتمه أو عابه، أو تنقصه، فإنه يقتل كالزنديق)( )
    ويقول ابن تيمية أيضاً: (وأما الساب فإنه مظهر للتنقيص والاستخفاف والاستهانة بالله، منتهك لحرمته انتهاكاً يعلم هو من نفسه أنه منتهك مستخف مستهزئ، ويعلم من نفسه أنه قد قال عظيماً، وأن السموات والأرض تكاد تنفطر من مقالته وتخر الجبال، وأن ذلك أعظم من كل كفر)( )
    وقال إسحاق بن راهويه شيخ البخاري: (قد أجمع العلماء على أن من سَبَّ الله عز وجل، أو سبَّ رسوله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئاً أنزله الله، أو قتل نبياً من أنبياء الله، وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر)( )
    وقال ابن تيمية: (فصل فيمن سَبَّ الله تعالى: فإن كان مسلماً وجب قتله بالإجماع، لأنه بذلك كافر مرتد، وأسوأ من الكافر، فإنَّ الكافر يُعظِّم الرب، ويعتقد أنَّ ما هو عليه من الدين الباطل ليس باستهزاء بالله ولا مَسَبَّة له)( )
    وقال ابن حزم: (وأما سب الله تعالى، فما علىظهر الأرض مسلم يخالف أنه كفر مجرد)( )
    وقال ابن تيمية فيمن تنقص الرسول صلى الله عليه وسلم : (وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه، أو برئ منه، أو كذبه: أنه مرتد، وكذلك قال أصحاب الشافعي: كل من تعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما فيه استهانة فهو كالسب الصريح ؛ فإن الاستهانة بالنبي كُفْرٌ … فقد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أنَّ التنقُّص له كفر مبيح الدم)( )
    وقال الإمام أحمد: (كل من ذكر شيئاً يعرِّضُ به الرب تبارك وتعالى، فعليه القتل مسلماً كان أو كافراً، هذا مذهب أهل المدينة)( )
    ومذهب الإمام الأوزاعي: (أن المسلم إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم فقد ارتدَّ، فيستتاب، وإلا قتل إن لم يتب)( )
    وسئل أبو محمد ابن أبي زيد عن رجل لعن رجلاً ولَعَنَ الله، فقال: إنما أردت أن ألعن الشيطان فزلَّ لساني. فأجاب: (يقتل بظاهر كفره ولا يقبل عذره، وأمَّا فيما بينه وبين ربه فمعذور)( )
    وقال الإمام ابن القيم: (قال مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: أيُّما مسلم سب الله ورسوله، أو سب أحداً من الأنبياء، فقد كذَّبَ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ردَّةٌ، يُستتاب، فإنْ رجع، وإلا قُتل)( )
    وقال ابن قدامة المقدسي: (ومن سب الله تعالى كفر، سواء كان مازحاً أو جاداً، وكذلك من استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله أو كتبه)( )
    وقال أيضاً : (والردة تحصل بجحد الشهادتين، أو أحدهما، أو سب الله تعالى، أو رسوله صلى الله عليه وسلم)‍( )
    وقال المرداوي في الإنصاف: (من سب الله أو رسوله كفر بلا نزاع في الجملة)( )
    وقال المرداوي أيضاً: (نقل حنبل: من عرّض بشيءٍ من ذكر الرب. فعليه القتل مسلماً كان أو كافراً وأنه مذهب أهل المدينة)( )
    وقال البهوتي: (… أو سب الله أو رسوله كفر؛ لأنه لا يسبه إلا وهو جاحد، أو استهزأ بالله تعالى أو بكتبه أو رسله)( )
    وقال أيضاً: (فمن أشرك بالله كفر… أو سب الله سبحانه أو سب رسوله أي رسولاً من رسله أو أدعى النبوة فقد كفر)( )
    وقال ملا علي قاري: (من وصف الله بما لا يليق به كفر)( )
    وقال الفخر الرازي في تفسيره: (إن الاستهزاء بالدين كيف كان كفر بالله ؛ وذلك لأن الاستهزاء يدل على الاستخفاف، والعمدة الكبرى في الإيمان تعظيم الله بأقصى الإمكان، والجمع بينهما محال)( )
    وقال القاضي عياض: (وأما من تكلم من سَقْط القول، وسخف اللفظ، ممن لم يضبط كلامه، وأهمل لسانه بما يقتضي الاستخفاف بعظمة ربه وجلالة مولاه … أو نزع من الكلام لمخلوق بما لا يليق في حق خالقه، غير قاصد للكفر والاستخفاف، ولا عامد للإلحاد، فإن تكرر هذا منه وعُرف به … فهذا كفر لا مرية فيه)( )
    ونقل القاضي عياض عن محمد بن سحنون أنه قال: (أجمع العلماء أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المنتقص له كافر، والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأئمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر)( )
    ونقل عن أحمد بن أبي سليمان صاحب سحنون أنه قال: (من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أسود، يُقتل)( )
    وجاء في كتاب روضة الطالبين للنووي: (أو قال وهو يتعاطى قدح الخمر، أو يقدم على الزنى: بسم الله تعالى، استخفافاً باسم الله تعالى كفر)( )
    وقال محدث الهند العلامة محمد صديق حسن خان القنوجي البخاري: (وأكثر الناس ابتلاءً بـهذا الاستهزاء الشعراء، فهزلهم بالشريعة وبأهلها: من النصحاء والوعاظ والفقهاء والمحتسبين والعلماء الصالحين، فوق ما تحصره الأقلام، أو يحيط به ضبط الأرقام … ومن جاء بهذا، فلا شك في كفره ؛ بل في كفر من شك في ذلك)( )
    قال القاضي عياض: (أفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم المتفقه الطليطلي وصلبه بما شُهد عليه من استخفافه بحق النبي صلى الله عليه وسلم وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم، وخَتَنِ حيدرة…
    وأفتى فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل إبراهيم الفزاري… في الاستهزاء بالله، وأنبيائه، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم فأُحضر له القاضي يحيى بن عمر وغيره من الفقهاء وأمر بقتله وَصَلْبِهِ فُطُعِنَ بالسّكين وصُلِبَ مُنَكَّساً ثم أُنزل وأُحرق بالنار.
    وحكى بعض المؤرخين أنه لما رُفعت خشبته وزالت عنها الأيدي استدارت وَحَوَّلته عن القبلة فكان آيةً للجميع، وكبّر الناس، وجاء كلب فولغ في دمه)( )
    وقال ابن نُجيم: (فيكفر إذا وصف الله بما لا يليق به، أو سخر باسمٍ من أسمائه)( )
    وقال القاضي عياض: (قال مالك في كتاب ابن حبيب، ومحمد، وقال ابن القاسم، وابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ، وسحنون، فيمن شتم الأنبياء، أو أحداً منهم، أو تنقصه: قُتل ولم يُستتب)( )
    وقال الدردير المالكي: (من سب نبياً مجمعاً على نبوته، أو عرّض بسب نبي، بأن قال عند ذكره: أمَّا أنا فلست بزانٍ، أو سارقٍ، فقد كفر)( )
    ويقول الشربيني الشافعي: (من كذّب رسولاً أو نبياً، أو سبه، أو استخف به أو باسمه... فقد كفر)( )
    وقال الإمام مالك: (من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو شتمه، أو عابه، أو تنقصه قُتل، مسلماً كان أو كافراً، ولا يُستتاب)( )
    وقال أيضاً: (من قال إن رداء النبي صلى الله عليه وسلم وسخ، أراد عيبه، قُتل)( )
    وقد سأل الرشيد الإمام مالكاً في رجل شتم النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر أن فقهاء العراق أفتوه بجلده، فغضب مالك، وقال: (يا أمير المؤمنين، ما بقاء الأمة بعد شتم نبيها، من شتم الأنبياء قُتِل، ومن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جُلد)( )
    قلت : وما بقاء أهل الأرض والسماء جميعاً ومن في هذا الكون كله بعد شتم الجبار سبحانه وتعالى والاستهزاء به والسخرية منه، تعالى ربنا وتقدس وتنـزه عن كل نقصٍ وثلب، {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أرَادَ أنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ في الأَرْضِ جَمِيعاً وَللهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [المائدة: 17].
    وقال الإمام سليمان بن عبد الله آل الشيخ: (ولهذا أجمع العلماء على كفر من فعل شيئاً من ذلك، فمن استهزأ بالله، أو بكتابه، أو برسوله، أو بدينه، كفر ولو هازلاً لم يقصد حقيقة الاستهزاء إجماعاً)( )
    وقال العلامة الشيخ سعيد بن حِجي الحنبلي النجدي: (فأما نواقض لا إله إلا الله فعسيرٌ إحصاؤها … فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته … ومن ادَّعى النبوة، أو صدَّق من ادّعاها، أو جحد البعث، أو سبَّ الله ورسوله، أو استهزأ بالله، أو كتبه، أو رسله، كفر)( )
    وقال العلامة المحدث أحمد شاكر: (إن من يشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي كلمة لا تليق بمقامه الكريم، حكمه عند المسلمين معروف، لا يخالف فيه عالم أو جاهل؛ بل لا يخفى على أجهل العوام، أنه مرتد عن ملة الإسلام، تجري عليه أحكام المرتدين المعروفة)( )
    وقال الشيخ ابن ضويان: (ويحصل الكفر بأحد أربعة أمور: بالقول، كَسَبِّ الله تعالى، أو رسوله، أو ملائكته؛ لأنَّه لا يسبه إلا وهو جاحد به...)( )
    وقال إمام أهل السنة في زمانه سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- : (سَبّ الدين والرَّبّ جلَّ وعلا، كل ذلك من أعظم أنواع الكفر بإجماع أهل العلم)( )
    وقال العلامة الفقيه الشيخ محمد بن صالح العثيمين: (الحكم فيمن سَبَّ الدين الإسلامي أنه يكفر ؛ فإنّ سَبَّ الدين والاستهزاء به رِدَّة عن الإسلام وكفر بالله عز وجل وبدينه)( )
    وقال أيضاً: (فالاستهزاء بدين الله، أو سَبّ دين الله، أو سبّ الله ورسوله، أو الاستهزاء بهما كفر مخرج من الملة)( )
    وقال في موضعٍ آخر رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة: (الاستهزاء بالله تعالى، أو برسوله صلى الله عليه وسلم، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كفرٌ وَرِدَّةٌ يخرُجُ به الإنسان من الإسلام)( )
    وقال أيضاً: (هذا العمل وهو الاستهزاء بالله، أو رسوله صلى الله عليه وسلم، أو كتابه، أو دينه، ولو كان على سبيل المزاح، ولو كان على سبيل إضحاك القوم، كُفْرٌ ونِفَاقٌ)( )
    وإليك أخي القارئ واقعة تاريخية توضِّح المراد كما سجَّلها القاضي عياض في كتابه "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" حيث يقول: (وقد أفتى ابن حبيب وأصبغ بن خليل من فقهاء قرطبة بقتل المعروف بـ((ابن أخي عجب))، وكان خرج يوماً، فأخذه المطر، فقال: بدأ الخرّاز يرش جلوده. وكان بعض الفقهاء به - أي بقرطبة - أبو زيد، وعبد الأعلى بن وهب، وابن عيسى قد توقفوا عن سفك دمه، وأشاروا إلى أنه عبث من القول يكفي فيه الأدب، وأفتى بمثله القاضي حينئذٍ موسى بن زياد، فقال ابن حبيب: "دمه في عنقي، أيشْتُم ربّاً عبدناه ولا ننتصر له ؟ إنَّا إذاً لعبيد سوء، وما نحن له بعابدين"، وبكى، ورفع المجلس إلى الأمير بها عبد الرحمن ابن الحكم الأموي (ت 282ه‍). وكانت "عجب" عمة هذا المطلوب من حظاياه، أي من أحب الزوجات لعبد الرحمن ابن الحكم، وأُعْلِمَ باختلاف الفقهاء، فخرج الإذن من عنده بالأخذ بقول ابن حبيب وصاحبه، وأمر بقتله، فقُتِلَ وصُلِبَ بحضرة الفقيهين: ابن حبيب، وأصبغ، وعزل القاضي لتهمته بالمداهنة في هذه القصة، ووبّخ بقية الفقهاء وسبهم)( )
    ولنا وقفة يسيرة مع هذه القصة فإن ابن أخي ((عجب)) تلفَّظ بعبارة تقتضي استخفافاً بالرَّبِّ جلَّ وعلا، وقد لا تكون صريحة في ذلك، والرَّجُل لم يجاهر بهذه العبارة عبر وسائل إعلام مقروءة أو مسموعة أو مرئية، أو دواوين وُزِّع منها قرابة ثلاث ملايين نسخة في مجتمعات تتبنى الإسلام!!، أو قُدِّمَ على أنه شاعر الحب الأول، أو أمير الشعراء في عصرنا الحالي. ومع ذلك فهذه العبارة في غاية النشاز والاشمئزاز في المجتمع الإسلامي آنذاك فلم يقبلها بالكلية، بل نفر منها تماماً، حتى جعلت أهل العلم في قرطبة يجتمعون لها، ويحكمون على صاحبها بالرِدَّة وإهدار الدم بالقتل، بل بأن يُصْلَب حتى يكون عبرةً لكل زِنْدِيقٍ يحاول التجرؤ على أمرٍ مُقَدَّسٍ في قلوب المؤمنين الموحدين.
    أقول : فأين سيف الحق البتار ماله لا يخرج من غمده ويقيم على هؤلاء المرتدين ذلك الحد الذي غاب قروناً عديدة، وسنين مديدة؛ فإن خشبة الصَّلْب قد حَنَّت لأجسادهم، والأرض في شوقٍ لدمائهم، لتشرب منها تعبداً لله وتقرباً.
    وقفات مع أصناف من الناس
    وهنا أقف وقفات -معاشر الفضلاء والأتقياء- مع أصنافٍ من الناس، وموقفهم من نزار:
    الصِّنْفُ الأوَّل:
    أهل الصلاح والفضل والدين، وأصحاب الشريعة، ووُرَّاث النبوة، أولئك الذين ظهروا على صدور المجلات والجرائد( ) السيَّارة في بلاد المسلمين، في وقت خروج نزار قباني من الدنيا إلى الدار الآخرة، وعن بعض فتاواهم التي أوهمت القارئ بأنَّ نزار قباني هو شاعر فسقٍ وعُهرٍ وخنا لا غير، وبهذا فإنَّ حكمه حكم الفاسق بكبيرته، المؤمن يإيمانه، وهذا فيه تدليس واضحٌ، وغَررٌ بَيِّنٌ لعامَّة المسلمين وخاصَّتهم.
    فهل قول نزار قباني مثلاً: (أنا أرفض الإحسان من يدي خالقي).
    وقوله: (وربٌ لا يطاردني).
    وقوله: (بلادي تقتل الرب الذي أهدى لها الخصبا) وقوله: (حين رأيت الله.. في عمّان مذبوحاً..).
    وقوله: (من بعد موت الله، مشنوقاً على باب المدينة)
    وقوله: (لم تبق للصلوات قيمة.. لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة..).
    وقوله: (كم سنة ضَيَّعْتَ في نحته؟ قل لي: ألم تتعبِ؟.. ألم تسأمِ؟..).
    وقوله: (إني أعبد الأصنام رغم تأثمي).
    وقوله: (اصلبيني بين نهديك مسيحاً.. عمِّديني بمياه الورد).
    وقوله: (وشجعت نهديك.. فاستكبرا على الله حتى فلم يسجدا).
    وقوله[​IMG]فاعذروني أيها السادة إن كنت كفرت).
    وقوله: (ويتزوج الله حبيبته).
    وقوله: (بعتُ الله بعتُ رماد أمواتك).
    وقوله: (لأن الله منذ رحلتِ دخل في نوبة بكاء عصبية، وأضرب عن الطعام).
    وقوله: (شكراً لحبك فهو مروحةٌ.. وهو المفاجأة التي قد حار فيها الأنبياء).
    وقوله: (يا إلهي إن كنت رباً حقيقياً فدعنا عاشقينا).
    وقوله: (أين غرور الله من غروري؟).
    ومثل قوله: (وكتبت شعراً لا يشابه سحره إلاَّ كلام الله في التوراة.. مارست ألف عبادةٍ وعبادة فوجدت أفضلها عبادة ذاتي).
    وغير ذلك من الأقوال ينطبق عليه فتوى من قال في حق نزار قباني: (… وعليه فيجب على المسلمين الصلاة على العصاة والفسقة من المسلمين، ودفنهم في مقابر المسلمين، والدعاء لهم في الصلاة عليهم بالمغفرة والرحمة، فإن الله غفور رحيم).
    والفتوى الأخرى التي خرجت في حق نزار التي يقول فيها صاحبها: (كون الإنسان يمارس الكتابة في الجنس، ويحترف الشعر الجنسي، فهذا ليس معناه أنه كافر، ويترتب عليه أحكام الكفار، فهذه الممارسات لا تخرج من الدين، وبالتالي لا يوجد مسوغ لمعاملته معاملة الكفار، ومنعه من دخول المسجد للصلاة عليه، إلاَّ إذا أظهر إلحاداً واستهزاءً بدين الله، أو بَيَّن شيئاً يستلزم كفره، وارتداده عن الدين)!!.
    وغيرها من هذه الفتاوى التي أجزم بأن هؤلاء المشايخ الفضلاء لم يعلموا بأقوال نزار الكفرية التي ذكرناها آنفاً.
    ولهذا وجب عليهم التوضيح في مقالٍ آخر إبراءً للذمة، وتوضيحاً للأمة، وكشفاً لِلَّبس الذي قد حصل بين العامَّة والخاصَّة من المسلمين. علماً بأنَّ نزار قباني له دواوين وُزِّعت ونُشِرَت بين أبناء المسلمين، وحيث إن المراهقين والمراهقات يقتنون دواوينه!! ويترنـّمون بها!! ويعيرها بعضهم إلى بعض حتى في بعض البلاد التي لا يظن فيها إلاَّ الخير والصلاح والتوحيد، وحيث بلغ مجموع ما وُزِّع تقريباً من دواوينه العفنة الفاجرة قرابة ثلاث ملايين نسخة في العالم العربي، والله أعلم بما سيخرج بعد موته وهلاكه من دواوين له.
    قال الله تعالى: {إنَّ الذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُـونَ} [ البقرة: 159 ]
    وقال الله تعالى: {إنَّ الذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ * أُولَئِكَ الذِينَ اشْتَرَواْ الضَّلاَلةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 174-175]
    الصِّنْفُ الثاني:
    هم من عِدادِ المرتزقة الذين يفرحون بقتل كل فضيلة وعفة، ويُسَرُّون بنشر كل رذيلةٍ وخسيسة، وهمُّهم الوحيد خفض دين الله تعالى بكل الطرق والوسائل، أولئك الكُتَّاب المستأجرون على حطامٍ من الدنيا قليل، وهم عند ربهم وخالقهم من الآثمين الخاطئين، الذين تَبَاكَوْا على نزار قباني وعلى أمثاله من المرتدين والزنادقة، ومَنْ وَصَفُوه بشهيد الشُّعراء!! وبشاعر الأمة العربية!!، وبشاعر المرأة!!.. وغير ذلك من الكذب والإفك المبين، أولئك الكُتَّاب الذين سال مِدَادُ أقلامهم حُزناً على كلِّ فاجر وفاجرة، ومنافق ومنافقة، بالمدح والثناء على صدور المجلات والجرائد، من غير فتورٍ ولا مَلَل، وصدق الله العظيم إذ يقول في كتابه الكريم: { هآ أنتُمْ هَؤُلاَءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ الله عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَّنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً} [النساء: 109].
    يا من تكتبون بأداة عند الله عظيمة وهي القلم، ذلك المخلوق الذي أنزل الله فيه سورة من سور القرآن تُتْلَى في المصاحف، وتُحفظ في صدور الرجال، إلى أن يرفعه الله من المصاحف ومن صدور الرجال، بل أقسم به سبحانه وتعالى، وهو لا يقسم إلاَّ بعظيم، فقال جلَّ وعلا: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1]
    قال الإمام الشوكاني: (أقسم الله بالقلم لما فيه من البيان، وهو واقع على كل قلم يكتب به) اه‍( ).
    بل للشعراء في تفضيل القلم على السيف أبيات كثيرة، منها قول أبي الفتح البستي:
    إذا أقسم الأبطال يوماً بسيفــهم
    وعَدُّوه مما يكسب المجد والكـرم
    كفى قلم الكُتَّاب عزاً ورفعـــــةً
    مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم
    يا معاشر الكتَّاب والأدباء.. أين أنتم من نُصرة الله تعالى ودينه، والذب عن حياض السنة المطهرة من أن يَلِغَ فيها كلُّ مرتد بلسانٍ سُلِّط حرباً عليها؟ أين أنتم يا معاشر الكتَّاب والأدباء عن تلك الأفكار والمعتقدات والفرق الهدامة المرتدة، التي نخرت جسد الأمة المحمدية، ومازالت تنخر فيه وتنشر أصولها ومعتقداتها الفاسدة الخبيثة بكل نشاط واجتهاد من رافضة مجوسية اثني عشرية، وإسماعيلية باطنية، ونُصيرية علوية، ودرزية شيطانية، وشيوعية ملحدة، وبعثية هدامة، وعلمانية كافرة، وحركات للتغريب، ولتحرير المرأة المسلمة، وقاديانية أحمدية، وقومية عربية جاهلية، وماسونية خفية، وصوفية قبورية غالية، وقرآنيين منكرين للسنة المحمدية المرضية، وبريليوية وثنية، وأباضية إبليسية، وحبشية قبورية وغيرها من الفرق التي خلعت من عنقها ربقة الإسلام والتوحيد، وارتدت عن ما جاء به خير خلق الله قاطبة صلى الله عليه وسلم.
    أين أنتم من جراح أمتنا الإسلامية التي انتشرت في كل عضوٍ من أعضائها، فلم تسلم الأعضاء من جروحٍ أو قروحٍ تنـزف؟
    أين أدبكم وشعركم لِمَ لَمْ يتغنَّ على أطلال الأندلس المسلوبة، ومآذنها المحزونة؟ وعلى جبال كشمير المغصوبة؟ وعلى أشجار الفلبين الخضراء؟ وتلال أرتيريا وبورما وسهولها؟ وأرض البوسنة وجراحها؟ ومأساة كوسوفا؟
    أين كتاباتكم أيها الأدباء والكتَّاب عن أرض الملاحم والشهداء، وأرض الأنبياء والصلحاء، وأرض التين والزيتون، أرض الإسراء التي ترزح تحت أيدي أحفاد القردة والخنازير يهود الغدر والخيانة؟
    أين مداد أقلامكم؟ ما لي أراها قد جفَّت، وأقلامكم قد تكسَّرت، عن كشف ما حلَّ في أمتنا من منكراتٍ وبدع وأهواء في الدين، قُدِّمَت على دين الله تعالى وشرعه، وانقاد إليها الناس أفواجاً إثر أفواج، وأسراباً تتبعها أسراب!!
    ما بال أصواتكم قد خرستْ، وأفواهكم قد لُجِمَت عن الدفاع عن الحق وأهله من علماء الملة والدين؟ وعن أعراض المسلمات الطاهرات التي اغتصبت في مشارق الأرض ومغاربها على أيدي علوجٍ من الصليبيين الحاقدين؟
    فهل يا تُرى قد جاء ذلك الزمان الذي أخبرنا عنه حبيبنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (سيأتي على الناس سنوات خدَّاعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّبُ فيها الصَّادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخَوَّن فيها الأمين)( ).
    إني أوجه إليكم هذه الكلمات شفقةً وخوفاً عليكم من عذاب الجبار سبحانه وتعالى وانتقامه ؛ فإن عذابه أليم شديد، قال تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً} [النساء: 30].
    وقال تعالى: {وَأمَّا الذِينَ اسْتَنْكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابَاً ألِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّنْ دُونِ اللهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} [النساء: 173].
    وقال تعالى: {فَإِنْ يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ الله عَذَاباً ألِيماً في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ في الأَرْضِ مِنْ وَليٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [التوبة: 74].
    وقال تعالى فيمن استكبر عن الحق وافترى على الله الكذب: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ في غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93].
    الصِّنْفُ الثالث:
    هم من أهل الخير والاستقامة لا يُعرف عنهم إلاَّ كل خيرٍ وصلاح نحسبهم كذلك، ولا نزكي على الله أحداً، أصحابُ عقيدةٍ صافية، وطريقةٍ سُنِّيَّةٍ مرضية، لكنهم - يا للأسف والحزن - قد توقفوا في أمر نزار قباني وحكمه في الدنيا، أهو من أهل الإسلام أم من أهل الردة والإلحاد؟
    ورحمة الله على محدِّث الفقهاء، وفقيه المحدثين في زمانه أبي عبد الله أحمد بن حنبل حين وقعت له فتنة خلق القرآن فثبت ثبوت الجبال الرواسي، وأفتى بكفرِ مَنْ قال : إن القرآن مخلوق. وتوقَّفَ أُناسٌ في القرآن وأمسكوا، فلم يقولوا بأنه غير مخلوق أو مخلوق، وقد كانوا طوائف، فمنهم مَنْ وَقَفَ مُطلقاً ولم يصرح بشيء، مُدَّعِياً أنَّ الأمر لم يتبين له!! وطائفةٌ قالت: إن القرآن كلام الله فقط.
    وقد كانت القضية عند الإمام أحمد وأمثاله من الأئمة الأعلام من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، مما جعل الإمام أحمد يحكم بكفر مَنْ توقَّف في قضية خلق القرآن.
    فعن يعقوب بن بختان قال: (سألت أبا عبد الله عن الرجل يقف. قال: هذا عندي شاكٌّ مرتاب)( ).
    وعن أحمد بن محمد بن الليث قال: (سُئل أحمد ابن حنبل وأنا حاضر عن الواقفة فقال: الواقفة والجهمية واللفظية عندنا سواء)( ).
    وقال أبو حاتم الرازي: (قال مصعب: هؤلاء الذين يقولون في القرآن: لا ندري مخلوق أم غير مخلوق، هم عندنا شَرٌّ مِمَّن يقول مخلوق. يُسْتَتَابون، فإن تابوا وإلا ضُرِبَت أعناقهم)( ).
    وكذلك قال الإمام إسحاق بن راهويه حين سُئل عن الرجل يقول: القرآن كلام الله ويقف؟ قال: (هو عندي شرٌّ مِنَ الذي يقول مخلوق؛ لأنه يقتدي به غيره)( )
    وهذا قول أهل العلم: أنَّ مَنْ تَوَقَّفَ في القرآن فهو كافر بالله العظيم، وهو قول أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل بغداد، وأهل مصر، وأهل الشام، وأهل الجزيرة، وأهل خراسان وأهل الثغور.( )
    وبعد هذا كله أيُتَوَقَّف في أمـر نزار قباني وحكمه في شريعة الإسلام ‍‍‍؟!.
    يا أصحاب الفطر السليمة.. أسألكم بالذي خلق لكم عينين ولساناً وشفتين: هل في قلوب المؤمنين المخبتين أعظم من ذلك الرب الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى؟ ومن قال في كتابه الكريم وهو يمجد نفسه ويثني عليها، وهو أهل الثناء وأهل المجد: {وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِه وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزُمر: 67].
    يا حماة الإسلام.. أيُستهزأُ بالخالق سبحانه وتعالى ويُرْمَى بكُلِّ نقيصةٍ وعيبٍ، وهو المنـزه عن ذلك سبحانه وتعالى، ثُمَّ لا يُحكم على ذلك المستهزئ بالرِدَّة عن دين الله تعالى؟‍‍!!‍.
    يا من رضيتم بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً..
    أيُشتمُ ربٌّ عبدناه، ولا ننتصر له؟ فوالله إنَّا إذاً لعبيد سوء، وما نحن له بعابدين.
    فيا قلة السالكين!! ويا كثرة الهالكين والمخذولين!!
    ورحمة الله على الإمام ابن بطة العكبري قائد لواء أهل الحديث في زمانه، الذي كان يشكو بثه وحزنه إلى طلابه مما كان يراه في زمانه من غربةِ الدينِ بين أهله وذويه وحامليه، فمِمَّا قاله: (يا إخواني عصمنا الله وإياكم من غلبة الأهواء، ومشاحنة الآراء، وأعاذنا وإياكم من نصرة الخطأ وشماتة الأعداء، وأجارنا وإياكم من غِيَرِ( ) الزمان وزخاريف الشيطان، فقد كثر المغترون بتمويهاتها، وتباهى الزائغون والجاهلون بلبسة حلتها، فأصبحنا وقد أصابنا ما أصاب الأمم قبلنا، وحلَّ الذي حذَّرَنَاه نبينا صلى الله عليه وسلم من الفرقة والاختلاف، وترك الجماعة والائتلاف، وواقع أكثرنا الذي عنه نهينا، وترك الجمهور منا ما به أمرنا، فخلعت لبسة الإسلام، ونزعت حلية الإيمان، وانكشف الغطا، وبرح الخفا، فعبدت الأهواء، واستعملت الآراء، وقامت سوق الفتنة وانتشرت أعلامها، وظهرت الرِدَّة وانكشف قناعها، وقُدحت زناد( ) الزندقة فاضطرمت نيرانـها، وخلف محمد صلى الله عليه وسلم في أمته بأقبح الخلف، وعظمت البليَّة، واشتدت الرزيَّة، وظهر المبتدعون، وتنطَّع المتنطِّعون، وانتشرت البدع، ومات الورع، وهُتِكتْ سُجفُ( ) المشاينة، وشُهِرَ سيف المحاشة( ) بعد أن كان أمرهم هيِّناً، وحدهم ليِّناً، وذاك حتى كان أمرُ الأمَّةِ مجتمعاً، والقلوبُ متآلفةً، والأئمةُ عادلةً، والسلطانُ قاهراً، والحقُّ ظاهراً، فانقلبت الأعيانُ، وانعكس الزمانُ، وانفرد كلُّ قومٍ ببدعتهم، وحزب الأحزابُ، وخُولِفَ الكتابٌ، واتخذ أهلُ الإلحادِ رؤوساً أرباباً، وتحولت البدعة إلى أهل الاتفاق، وتهوك( ) في العسرة العامة وأهل الأسواق، ونَعَقَ( ) إبليسُ بأوليائه نعقةً فاستجابوا له من كل ناحية، وأقبلوا نحوه مسرعين من كل قاصية، فألبسوا شيعاً، وميزوا قطعاً، وشمتت بهم أهل الأديان السالفة، والمذاهب المخالفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وما ذاك إلا عقوبة أصابت القوم عند تركهم أمر الله، وصدفهم عن الحقِّ، وميلهم إلى الباطل، وإيثارهم أهواءهم، ولله عز وجل عقوبات في خلقه عند ترك أمره ومخالفة رسله، فأُشْعِلَت نيران البدع في الدين، وصاروا إلى سبيل المخالفين، فأصابهم ما أصاب مَنْ قبلهم مِنَ الأمم الماضين، وصرنا في أهل العصر الذين وردت فيهم الأخبار ورويت فيهم الآثار)( ).
    وقال أيضاً : (فلو أنَّ رجلاً عاقلاً أمعن النظر اليوم في الإسلام وأهله، لَعَلِمَ أنَّ أمورَ النَّاس تمضي كلها على سنن أهل الكتابين وطريقتهم، وعلى سُنَّة كسرى وقيصر، وعلى ما كانت عليه الجاهلية، فما طبقة من الناس، وما صنف منهم، إلاَّ وهم في سائر أمورهم مخالفون لشرائع الإسلام وسُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، مضاهون فيما يفعل أهل الكتابين والجاهلية قبلهم، فإنْ صَرَّفَ بصرَهُ إلى السَّلطنة وأهلها وحاشيتها، ومَنْ لاذ بها من حكامهم وعُمَّالهم، وَجَدَ الأمر كله فيهم بالضد مِمَّا أُمِرُوا به، ونُصِّبُوا له، في أفعالهم وأحكامهم، وزِيِّهم ولباسهم، وكذلك في سائر الناس بعدهم: من التُّجَّار، والسوقة، وأبناء الدنيا وطالبيها: من الزُّرَّاع، والصُّنَّاع، والأُجَراء، والفُقَراء، والقُرَّاءِ، والعلماء، إلاَّ مَن عصمه الله، ومتى فكَّرت في ذلك وجدت الأمرَ كما أخبرتك في المصائب والأفراح، وفي الزيِّ واللِّباس، والآنية، والأبنية والمساكن، والخُدَّام والمراكب، والولائم والأعراس، والمجالس والفرش، والمآكل والمشارب، وكل ذلك، فيجري خلاف الكتاب والسُنَّة بالضد مِمَّا أمر به المسلمون، ونُدِبَ إليه المؤمنون، وكذلك مَنْ باع واشترى، وملك واقتنى، واستأجر وزرع وزارع، فمن طلب السلامة لدينه في وقتنا هذا مع الناس عدمها، ومَنْ أحبَّ أن يلتمس معيشة على حكم الكتاب والسُنَّة فقدها، وكثر خصماؤه وأعداؤه ومخالفوه ومبغضوه فيها، فالله المستعان، فما أشد تعذُّر السلامة في الدين في هذا الزمان، فطرقات الحق خالية مقفرة موحشة، قد عدم سالكوها، واندفنت محاجها وتهدَّمت صواياها( ) وأعلامها، وفقد أدلاؤها وهُدَاتها، قد وقفت شياطين الإنس والجن على فجاجها وسبلها تتخطَّف الناس عنها، فالله المستعان، فليس يعرف هذا الأمر ويهمه إلاَّ رجلٌ عاقلٌ مُمَيِّزٌ قد أدَّبه العلم، وشرح الله صدره بالإيمان)( ).
    الصِّنْفُ الرَّابع:
    هم أهل الضلال والزندقة والمجون، أصدقاء نزار قباني ومحبّوه، ومَنْ هم على شاكلته ونهجه. والجِعْلان( ) على أشكالها تقع، من مثل:أدونيس( )،وعبد العزيزالمقالح( )،وعبدالوهاب البياتي( ) ومـحمود درويـش( )، وصلاح عبد الصبور( )، وفدوى طوقان،( )
    وأمل دنقل،( ) وغيرهم ممن استهزؤوا وسخروا من الرب العظيم في قصائدهم وأشعارهم، فإني أطلب منهم أن يتذكروا حالهم بعين البصيرة وقد كانوا قطرة من ماء مهين ضعيف مستقذر، لو مرت بها ساعة من الزمان لفسدت وأَنتنت، وكيف استخرجكم رب الأرباب العليم القدير من بين الصلب والترائب منقادين لقدرته، مطيعين لمشيئته، مذللين الانقياد على ضيق الطرق واختلاف المجاري، إلى أن ساقكم اللطيف البصير إلى مستقركم ومجمعكم في أرحام أمهاتكم. وكيف جمع سبحانه وتعالى بين آبائكم وأمهاتكم وألقى المحبة بينهما، وكيف قادهما بسلسلة الشهوة والمحبة إلى ذلك الاجتماع الذي هو سبب لتخليقكم وتكوينكم، وكيف قدّر سبحانه وتعالى اجتماع ذينك الماءين( ) مع بعد كل منهما عن صاحبه، وساقهما من أعماق العروق والأعضاء وجمعهما في موضع واحد، وجعل لهما قراراً مكيناً لايناله هواء يفسده، ولابرد يجمده.
    ثم أيها المستهزئون الساخرون أعيدوا النظر فيكم وفي أنفسكم مرة أخرى، من الذي دبركم بألطف التدبير وأنتم أجنة في بطون أمهاتكم في موضع لا يد تنالكم، ولا بصر يدرككم، ولا حيلة لكم في التماس الغذاء، ولا في دفع الضرر، فمن الذي أجرى إليكم من دم أمهاتكم ما يغذوكم به كما يغذو الماء النبات، وقلب ذلك الدم لكم لبناً ولم يزل يغذيكم به بجوده وكرمه في أضيق المواضع وأبعدها من حيلة التكسب والطلب، حتى إذا كَمُلَ خلقكم واستحكم وقوى أديمكم على مباشرة الهواء وبصركم على ملاقاة الضياء، وصلبت عظامكم على مباشرة الأيدي والتقلب على الغبراء، هاج الطلق بأمهاتكم، وأزعجكم إلى الخروج أيما إزعاج إلى عالم الابتلاء، فركضكم الرحِم ركضةً من مكانكم، كأنه لم يضمكم قط، ولم يشتمل عليكم.
    فصار يستغيث ويعج إلى ربه من ثقلكم، فمن الذي فتح لكم بابه حتى ولجتم، ثم ضمه عليكم حتى حُفظتم وكملتُم، ثم فتح لكم ذلك الباب ووسعه حتى خرجتم منه كلمح البصر لم يخنقكم ضيقه، ولم تحبسكم صعوبة طريقكم فيه فلو تأملتم حالكم في دخولكم من ذلك الباب وخروجكم منه لذهب بكم العجب كل مذهب، فمن الذي أوحى إليه أن يتضايق عليكم وأنتم نطفة حتى لاتفسدوا هناك، وأوحى إليه أن يتسع لكم ويتفسح حتى تخرجوا منه سليمين.
    وبعد أن خرجتم فريدين وحيدين ضعفاء، لا قشرة لكم ولالباس، ولامتاع ولامال، أحوج خلق الله وأضعفهم وأفقرهم.
    ثم ماذا بعد ذلك يا أيها المستهزئون الساخرون من الله تعالى لقد صرف سبحانه وتعالى ذلك اللبن الذي كنتم تتغذون به في بطون أمهاتكم إلى خزانتين معلقتين على صدرها، تحمل غذاءكم على صدرها كما حملتكم في بطنها، ثم ساقه الحي القيوم إلى تينك الخزانتين ألطف سوق على مجارٍ وطرق قد تهيأت له، فلا يزال واقفاً في طرقه ومجاريه حتى تستوفي ما في الخزانة فيجري وينساق إليكم من عند الذي لاتنفد خزائنه، ولا يزول ملكه، فمن الذي رققه لكم؟ ومن الذي صفاه، وأطاب طعمه، وحسَّن لونه، وأحكم طبخه أعدل إحكام، لا بالحار المؤذي، ولا بالبارد الردي، ولا المر، ولا المالح، ولا الكريه الرائحة؟ (فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ).
    وحين خرجتم إلى الدنيا وبدأت الشفاه تتحرك للرضاع؛ فما كان من ذلك الثدي المعلق كالإداوة إلا قد تدلى برحمته سبحانه وتعالى إليكم، وأقبل بدره عليكم، ثم جعل في رأسه تلك الحلمة التي هي بمقدار صغر أفواهكم فلا يضيق عنها، ولا تتعبوا بالتقامها، ثم ثقب لكم في رأسها ثقباً لطيفاً بحسب احتمالكم، فلم يوسعه فتختنقوا باللبن، ولم يضيقه عليكم فتمصونه بكلفة، بل جعله بقدر اقتضته حكمته ورحمته. فمن الذي عطف عليكم قلب الأم، ووضع فيه ذلك الحنان العجيب، والرحمة الباهرة حتى تكون في أهنأ مايكون من شأنها وراحتها ومقيلها، فإذا أحست منك بأدنى صوت أو بكاء، قامت إليك وآثرتك على نفسها على عدد النفس منقادةً إليك بغير قائد ولا سائق، إلا قائد الرحمة وسائق الحنان، تود لو أن كل ما يؤلمك بجسمها، وأن حياتها تزاد في حياتك( ) فمن الذي قذف هذا في قلوب عباده يامعاشر الساخرين والمستهزئين؟
    إنه الله الواحد الأحد، والفرد الصمد، والقائم على كل نفس بالخلق والرزق.
     
  3. مشعل

    مشعل عضوية تميّز عضو مميز

    4,905
    0
    0
    ‏2008-03-17
    معلم
    منقول


    للفائدة






    الله اعلم
     
  4. رنووودي

    رنووودي عضوية تميّز عضو مميز

    3,529
    0
    0
    ‏2009-01-25
    معلمة وافتخر
    جزااااك الله الف خير ولاحرمك الاجر
     
حالة الموضوع:
مغلق