اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1


من أجل يوم المخاض ...؟؟

الموضوع في 'ملتقى بــوح الأقــلام' بواسطة فهد العتيبي, بتاريخ ‏2008-01-23.


حالة الموضوع:
مغلق
  1. فهد العتيبي

    فهد العتيبي مراقب عام مراقب عام

    3,016
    7
    0
    ‏2008-01-13
    معلم
    قصة ، من : سها جلال جودت

    ضحكت من قلبي مثل شمسٍ لا تصدر صوتاً وأنا أسمعه يرد على مداخلتي::36_1_1[1]:
    - لسنا مجتمع ذكوري ، هذا مفهوم خاطئ وتعبير قديم أرجو أن تعيدي النظر في جملتك!
    :36_11_9[1]:

    حملت نفسي المقهورة ومضيت نحو بيتي وأنا ما أزال أفكر بجملته التي كانت مثل سماعة طبيب تكشف عن عدد دقات القلب وسرعة نبض اليد، "لسنا مجتمع ذكوري" ، هو دافع عن نفسه وعن حالته الراهنة ولم يدافع عن وضع عام باتت مشكلاته تشكل عبئاً خطيراً على مجتمعنا بكل معاييره ومعطياته ، حاولت أن أتناول طعام الغدّاء ، وجدت شهيتي مقتولة كأن معدتي تنزف ، فعلاً كانت معدتي وقلبي وعقلي ينزفون الأسئلة التي تراكمت فوق الصديد ، بين الصديد ، تريد دواء غير مدسوس ولا مغشوش ولا آثار جانبية يتركها كي تزيد من علة المريض.


    جلست على الكرسي الهزاز ، لم يكن مثل هؤلاء الكراسي التي يقتنيها أصحاب الثروة ، ولم يكن جلوسي عليه بمعنى الجلوس المتعارف عليه عند الناس كافة ، كانت ذراعا ساقي تهتزان بل ترتجفان ، أو ترقصان لتكن التسمية ما تكون ، المهم كنت متوترة ، قلقة ، لا أستطيع ضبط رجلي !


    كم بقيت على هذه الحالة لست أدري ولا أستطيع أن أحدد الزمن ، كنت مشغولة بقضية هذه المرأة الشابة ، حقيقة تأثرت بقضيتها ، حين أخبرتني أمها أنها تريد زيارتي عرفت أنها من أجل استشارة قانونية ، صدق ظني لحظة قدمت لي ورقة بيضاء عليها رأي طبيب الطبابة الشرعية ، إذن القصة فيها شكوى وادعاء ، سألتُ الشابة التي كانت برفقة أمها:

    - هل يضربك دائما ؟!!

    أرادت أن تدافع عنه رغم جروح زندها الأيمن ، قاطعتها أمها قائلة:

    - هذا وحش ، من يضرب زوجته بحديد إزاره هو وحش لا يمكن الصبر عليه ولا على فقره.


    نظرت في وجه الشابة ، كانت مثل طفلة اختفت من عينيها فرحة العيد لأن ملابسها احترقت فحبست دموعها وباتت ترتقب وجود وجه غير وجه أمها ليدافع عن حقها شريطة ألا تخسر الزوج .


    قبلت به فقيراً ، قبلت أن تستدين من المصرف لتتم هذا الزواج ، تحدت أهلها ، كذبت عليهم مرات عدة من أجل أن تلتقي به سراً وبعيداً عن شارعهم ، كانت عاشقة بلا وعي ، مخمورة بحبه وبكلماته التي كانت تفيض عذوبة ورقة وحناناً ، صورته لا تغادر ذاكرتها ، تنام على أمل اللقاء به في الصباح الباكر ، ربما مع طلوع الشمس، أصرت على النجاح من أجله ، سعادتها كامنة في البقاء معه حتى آخر العمر ، رسمت المستقبل بأمل الحالمة ، خدرت تحذير أمها بتعاويذ من قلبها وأورادها التي قرأتها في كتب دعاء الحاجة، وضعت الحجب بحجة أنها الحصن الحصين لتحفظها من شر المنامات وكوابيس الليل ، مهما كان الثمن فهي تريده ولن تفاوض قلبها على القبول بالبديل أو التخلي عنه، بإصرار رفضت كل الخطاب.


    حين وجدت الأم أنه لامناص لها من الرضوخ وافقت كارهة ، كانت دموعها وجراحات يديها وساقيها مجرد إنذار وخيم العاقبة ، تبكي لأجله الليل كله وفي الصحو تشرد ، تسهو تتحرك مثل مخبولة أو شبه مريضة.

    بدأت أصغي إلى حديث الأم التي كانت محترقة على خلاص ابنتها من هذا الذي وصفته بالسادي قالت لي وهي تكشف عن ذراع الشابة :

    - انظري ، من يفعل هذا غير مريض أو مهووس بالسادية !


    زاد حزني أكثر وغلب كبريائي دموعي فلم تنهمر أو تتجمع في الحدقتين ، كانت دموعاً داخلية وأنا أتصور المشهد ، بعد شرب فنجان القهوة عدت إلى سؤالها: حدثيني عن محاسنه؟

    أجابت وشفتاها ترتعشان :

    - من أي ناحية ؟

    - هل يبخل عليك؟

    - لا يبخل بل يحاسبني على مصروفي ويتحكم بأخذ راتبي .

    - وأنت ماذا تفعلين ؟

    - لا أستطيع أن أفعل شيئاً ، أقدمه له كما هو!


    ثارت الأم كأن المفتاح الذي كان غائباً عن ذاكرتها عاد إليها فقالت :

    - أرأيت ، رجل مثل هذا أين الأمان معه ؟

    لم يكن بوسعي أن أفعل شيئاً فالقرار ليس من حقي ، بعد خروجهما ظلت صورة الحزينة العاشقة المهانة المجروحة تترصد ذاكرتي ، كلما حاولت أن أنسى عادت الصورة تنخر في رأسي وعقلي وكان لا بد من الاتصال بالأم :

    - هل هي بقربك ؟

    - لا !

    - اسمعي ، إنها تحبه ، أخشى من الاستمرار في القضية.

    - أعرف ، أعرف .


    قبل أن تلتئم جراح الزند مشت معه مثل أسيرة، لم يكن بوسع قلبها أن يطرده ، تشبث به كمادة لاصقة يصعب عزلها ، خيارات النبض العاشق أرادته هو دون غيره من الرجال، بَصمتْ عليه وكانت الأم قلقة تجتاح أفنان روحها صوت الهاربة من ذراع البطش حين طرقت الباب بعنف ودخلت وهي تشهق :

    - انظري يا أمي كاد يقتلني !


    غربل الزمن توقيت القضية ولم يغربل صهيل نرفزته وعصبيته وسرعة بطش يده حتى اكتشفت خيانته ، الرجل كان يرسلها إلى بيت أهلها ، شمت رائحة عطر غير عطرها ، رفعت عن مخدتها شعرات شقراء طويلة وهي شعرها أسود فاحم وبدأت تناوره على الاعتراف ، يهرب من هنا، تأتيه من هناك ، يتملص ، يكذب ، يحلف أغلظ الأيمان والشعرات الشقراء في محفظتها ، دليلها القاطع على خيانته ، أبهذا الانزلاق تتساوى الانكسارات ؟ سألت قلبها الذي خذلها أمام أهلها وناسها وزميلاتها ومدير عملها ومضطرب نفسها وقلق روحها وتوتر أعصابها،لكنها تريده ، تحبه ، تعشق السواد الذي ينتمي إليه ، فمهما تراكمت أحزانها ومهما تضافرت من حولها غوائل الفقر فإنها تنتمي إلى حرارة قبلته الأولى ، احتضانه الأول ، لا لن تقبل الخروج عن اسمه ، إنه الشاعر الذي ألهب جداول القلب بعشق مستديم.


    ذات صباح استيقظت متعكرة المزاج كأن صداعاً في الشقيقة ماانفك يغادر رأسي ، فأنا لم أنم ، أوهمت نفسي حين أغمضت عيني أنني أغط في سبات عميق والحقيقة كنت أذرف الدموع الساكنة المختفية داخل سرادق الذاكرة .


    أمام باب المشفى الحكومي وجدت الأم جالسة على رصيف الشارع والدموع تغسل وجهها ، بنفس الاضطراب والتوتر والقلق اقتربت منها :

    - ماذا تفعلين هنا ؟

    - أنتظر الفرج!


    مسكتها من يدها وصعدت الدرجات وأنا أكتم غيظي وثوران نفسي ضاغطة على أعصابي كي لا أفقد هيبتي ووقاري ، طلبت من الحارس أن يسمح لنا بالدخول ، رفض بوجه عابس يرسم القسوة ، عذرته لأنه مسؤول ، قلت لأختي التي كادت تنهار أين عامر؟


    فجأة لاح وجهه من الداخل ، أشرت له بيدي فاقترب من الباب وهمس في أذن الرجل العابس ، فانفرجت فتحة الباب قليلاً فدخلنا والرؤوس من وراءنا كانت تنطح بعضها ، كانت ممرات المشفى نظيفة والهدوء يعم المكان ، حين رأيت سرير هيام هامت الدنيا من حولي فزفرت الكآبة والامتعاض عنوة وقلت لها : - تماسكي ، واطلبي من الله الخلاص بسلامة ، آن الأوان لتكوني أماً .


    تتابعت صرخاتها الصادحة من شدة الألم الذي كان يفتك بأحشائها ثم أخذت نفساً عميقاً وأردفت قائلة:

    - هذا فظيع ، ما عدت أحتمل . وكزت على أسنانها فالطلق عاودها ، كان حامياً ، شديد الألم ، فتمسكت بياقة قميصي وهي تستغيث بي وبمن حولها ، تريد الخلاص ، رمقت بحنان وجهها المصفر وعينيها الخائفتين المتوسلتين الخانعتين الراضختين الباحثتين عن منفذ نجاة فقلت لها مشددة على عزيمتها الفاترة : - الجنة تحت أقدام الأمهات ، فكري بقوله تعالى ، تعرفين سبب عذابك هذا وتقدرين حق أمك عليك .


    بعينيها السابحتين في محيط من التشجنات والتقلصات ندهت أمها ومدت يدها نحوها فتشابكت أصابعهما فضغطت عليها وهي تكز من جديد على أسنانها وتتضرع إلينا أن ننجدها فما عادت تطيق ، تحتمل هذا الوجع الزؤام .


    لم يكن بوسعنا أن نفعل شيئاً ، كان ألمها يتسرب إلى قلوبنا فيعصرها فترتجف حقول وبساتين دعواتنا ونحن نتضرع ونتوسل إلى الله أن يفرج عليها وطيس ألمها من المخاض ، إن الأنبياء يعجزون عن تحمله ، لكنها الحكمة المعجزة الوحيدة في حياة الأنثى التي تتفوق فيها على الرجل، إنها القضية الأزلية التي جعل الله من أجلها الجنة تحت أقدام الأمهات ، هيام أتذكرين رفضك لنصائح أمك ، أتذكرين تمردك عليها في سهوك وشرودك ، غير مرة حاولت الانتحار ، العاشقة المخمورة على رحيق قبلته الأولى كانت تنتحر فتسارع الأم بذعر ولوثة على إنقاذها حتى جعلت الجميع في النهاية يرضخ ويمتثل إلى رغبة جنون قلبها.



     
  2. فهد العتيبي

    فهد العتيبي مراقب عام مراقب عام

    3,016
    7
    0
    ‏2008-01-13
    معلم
    نتابع ماتبقى منهــــــــــــا


    الزمن يمر بطيئاً والساعة تتوقف ،روح هيام تقف على كتف عفريت ، وأختي تهيم على وجهها في ممر المشفى متوسلة أن تجد الطبيب الذي ينقذ هيام ، الملائكة التي ستساعدها ، تنادي على جنود الله المخفيين وهي تترجاهم من أجل الأمومة ، من أجل هذه الروح التي ارتفع رأسها داخل صمت من العتمة والدم !


    دوار البحر يشدنا إلى الغرق ونحن نتمسك بحبال من الصمت والرجاء وصوت صراخها يتردد صداه ليعبر الشارع والرصيف ، تخامرني صور مفزعة فأراها وقد وضعت على النقالة ملفوفة بالبياض ، وأختي تقع مفمى عليها والطفلة تبكي ، أسمع صوت بكاء الطفلة ينادي ملك الموت : أعد أمي !


    أنتفض وأنا أستعيذ بالله ، تسألني أختي والهلع يحيط بسوار قلبها الدامع : - هل ستنجو؟


    لا أعرف بما أجيب أكتفي بهز رأسي والصداع يفتك بي ، حلقي يجف فلا أجد ما أبلل به عطشي ، حنجرتي تبح وصوتي يكاد يغيب أهو الخوف ؟ تعود الصورة تظهر أمامي أرى جسدها وقد لف بقماش أبيض يرتفع عالياً ثم يعود إلى مكانه والطفلة ما تزال تبكي ، أقترب منها أحملها بين ذراعي أصرخ من دون وعي وبلهفة : إنها جميلة ، فأسمع الممرضة تقول :

    - تشبه أمها .

    - ولكن أمها لم تخرج بعد!

    فيسألني وقد جحظت عيناه:

    - هل هناك خطورة على حياتها ؟ أطرق برأسي وأحتضن قلبي من السقوط ومن دون أن أنظر في وجهه أقول له:

    - ننتظر هبوط من يحمل المعجزة !

    - لم أفهم ؟


    تبكي الصغيرة بصوت حاد، تضج صرخة الأم بصوت مختنق مبحوح فيتردد صدى اسم هيام في الممرات والغرف والنوافذ والأبواب تهرول بفزع نحو الباب تمنعها الممرضة من الدخول ، أسحبها من يدها وأنا أنظر في وجه الرضيعة وأردد: إنها جميلة .


    ترسل من عينيها نظرة عتاب وتشيح بوجهها عن الطفلة التي ابتسمت فأقول بصوت ضعيف : "لعلها الإشارة" ، ويخرج الطبيب من الغرفة فنسرع نحوه وقبل أن نسأله :

    - ستظل تحت المراقبة ثلاث ساعات ، الأمل موجود.

    يزغرد قلبي وترتعش شفتاي وأنا أقبل رأس الصغيرة ، وثمة يدٌ حانيةٌ تقترب مني وبعينين مملوءتين بالدموع تحمل بنت هيام.
     
حالة الموضوع:
مغلق