اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1


لا خبر, لا جفيّة لا حامض حلو!!

الموضوع في 'ملتقى بــوح الأقــلام' بواسطة عـزف منفرد, بتاريخ ‏2011-08-23.


حالة الموضوع:
مغلق
  1. عـزف منفرد

    عـزف منفرد عضوية تميز عضو مميز

    6,697
    0
    36
    ‏2009-10-01
    مُـعلـِّمـةٌ

    لا خبر... لا...

    (( ليلى العُثمان ))





    الموسيقى طوفان... والقلب غريق... والجلد يتنفس من تحت الثياب فينفث رائحة سلخه القديم... والصدر... عشق يتوارى... ووجد يتنامى بين الضلوع...
    والطبل, والطار... وصرخات المعجبين والمعجبات بصوت المغني ذي البحة الحزينة... وكلمات الأغنية دبابيس تتخر الذاكرة... وتنزف أحداثها.
    " لا خبر... لا كفيه... لا حامض حلو... لا شربت " يغني... وهم يصفقون " قلبي يحزن... فأين الخبر?? " لا خبر "...
    انقطعت الأخبار بيننا... عيناك السمراوان رحلتا... مدن من الحزن الأسود... تلوحان من البعيد... حيث أنت.
    " ولا كافية " وكنت تلوح بها... عريت شعرك المجعد الكثيف ولوحت بها مودعا وعصرت حزني... من خلف الشباك الزجاجي... ففاض عصيره دمعا أحمر! يغني.. وهم يصفقون بانتشاء حلو..
    نسيت طعمه منذ نسيت جدتي حنانها... وثارت عليَّ... يوم كنت طفلة... حملت لي حامض حلو... وبرميت وأشياء أخرى طرية... حلوة المذاق... لكنها بعد ذلك... غرست نظرتها المرة في وجهي وزعقت:
    - غريب غريب...
    ونفخت ثورتها... ورماد جسدي المسلوخ يتوقد أمامها نارا... وهي تنفخ وتنفخ... ويشتعل اللهب والأكف تشتعل بنار الإعجاب يصفقون... كأنهم يضربون أبواب الذاكرة المنسية أشياؤها تحت الركام... وهو يغني... والحزن يقطر من الصوت أحمر... كقطرات " الشربات ".
    " والشربات " الأحمر على الصواني يدور... وضاربات الطبل, والطار يشربن... وأرى دمي... في الكؤوس
    رائحة الدخان تخنق المكان... ورائحة جسدي شواء قديم يفوح... وحدي أشمه وأتلمس اللحم الذي سلخته سياط ثورتهم... وحرارة صوت جدتي. تصرخ بعنف:
    - غريب غريب وكلهم هنا أغراب تآلفت آذانهم... وحده يغني... غريب عن الدنيا التي يتيه فيها صوته...
    " لا خبر... لا كافية... لا حامض حلو... لا شربت..." وهم يصفقون... والأكف سمراء حرة طليقة... وكفي الحارة تشد على توأمها... وكف أبي الغليظة تلوح, أقبلها في الصباح, وفي المساء... واجب يومي كرهته وثرت عليه ذات يوم... فتمردت... وحين مد كفه تركتها معلقة في الهواء وصوته المتسائل:
    - أراك لا تقبلين يدي...
    وكانت نفسي الحبلى بالحرمان مشمئزة فرددت
    - مخاط إخوتي... و"سعابيلهم" على كفك!
    وذكرني بنظرة حمراء
    - بالأمس رفضت حليب " النوق " الذي قدمته لك.
    قلت:
    - لقد شرب إخوتي منه قبلي
    هزئ بي:
    - اشمأزت نفسك منه... بينما هو حليب أصيل... أهداه لي أحد الأصدقاء الأثرياء... هل تعرفين ماذا يعني هذا?
    - لا يهمني.
    قلتها... نصفها خرج شجاعا... وآخرها جبان يسحب نفسه... وكان الرد تهديدا:
    - حين تكبرين, سأزوجك سيدا, مثل أختك... وستعيشين في قصر كبير. وأصلحت الخطأ بقولي
    - قصدك قبر! أخرج من قبر لأدفن في قبر آخر.. أنا يا أبي أكره القصور وأكره من يعيشون فيها...
    - تسمين القصر قبرا... والعريس??
    - أسميه الدفَّان... والقاتل... أنا يا أبي لن أتزوج
    - حين يأتي العريس... ستحبينه... سيقدم لك حليب النوق... وستشربينه حتى لو بصق فيه ستحبين منه كل شيء... وستقبلين يده... وربما قدميه... ستشمين عرقهما الذي تفوح منه رائحة العز والشبع الذي تعودت عليه هنا أنت أصيلة والأصيلة للأصيل.
    وقلتها:
    - لا......
    وأعلنت عصياني... مرة.... وثلاثا... وعشرا.
    - لا... لن أتزوج من تختار... وسأبحث عن رجل آخر... رجل تفوح من قدميه رائحة التعب... فلاح تتناسل الديدان من تحت أظافر كفه التي تزرع أو ربما...
    عبد مجلود.... عند سيده ألف جلدة أريده صافي العينين... لم يرهق لألاء الذهب بؤبؤهما ولم يذق حليب النوق ويتخم... ولم ترتح ضلوعه على أسرة الحرير والديباج... أريده... رجلا من الأرض... يعشقها ويلتحم بترابها. وينام على عشبها... وأنا على زنده... أغفو, وأحلم... رجل واحد لامرأة واحدة وليس مثلك يا أبي تتنقل كعقرب الساعة من جسد إلى آخر تحرث, وتشبع, والأرض عطشى... كيف تنام يا أبي كل ليلة في فراش ولماذا تريد أن تهديني رجلا... يملك فراشا أو فراشين غير فراشي??
    دعني أبحث... أبحث وحدي
    أبحث عنك في أزقة الذاكرة التي تراكمت فيها الأحداث... أبحث في وجوه الرجال المصطفين أمامي... يتمايلون... ويصفقون... ويرددون مع المغني حزنه, فرحه, كلماته, ألحانه... وأتمنى أن ألمح في وجه أحدهم شبها بك... وحزنا يشبه حزنك... لكن ملامحك غائبة... هاربة من كل الوجوه... مدسوسة في زاوية واحدة من الذاكرة... يوم رحلت... ووجهي يودعك من خلف الزجاج... وأنت تلوح لي بكفتك الحمراء المنقطة... التي تحلم.. تحلم... بالوطن..., بالعودة. وبكفك الذي عرف معنى التعب كفك الغريب عنهم... القريب إلى قرب أنفاسي... ولهاثي... ونبضي.
    يصمت المغني... وفي الذاكرة حنين لا يعرف الصمت! ربة البيت تقترب مني... تقدم الصحن... والسكين, قلبتها بيدي... ريشة أرسم بها على النفحات الحزينة خطوط الحكاية التي كانت.
    تشتتت السحب في كل الأرجاء.
    نأت الصورة الجلية خلف غيوم عنيدة.. وتباعد صوت الوسيط مع اصطخاب الموج.
    لم أعد أرى في رحاب الماء إلا باخرة وحيدة تطلق لحن الاغتراب.
    الملكوت يشيح وجهه عني.
    أصداء ألحان الرحيل تتناوب في عمق المدى لتكرس معزوفة الأسى.
    الباخرة تمضي.. وأنا أجد الخطى العثرة على شاطئ الذهول.
     
حالة الموضوع:
مغلق