اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1 اعلان 1


رد على بعض الرسائل في الخاص لموضوع قوله تعالى( إن هذان لساحران )

الموضوع في 'ملتقى اللغة العربية' بواسطة rahaal, بتاريخ ‏2011-08-27.


  1. rahaal

    rahaal تربوي عضو ملتقى المعلمين

    980
    1
    16
    ‏2008-02-09
    معلم
    سوف أورد اليوم لكم مميزات قراءة أبي عمرو بن العلاء البصري ولذلك بسبب بعض الرسائل التي وصلتني في الخاص ترد على موضوع ( إن هذان لساحران ) فوعدت الجميع بأن أرد لهم وبطريقـة واضحـة لهم , وكلنا نعلم أن القرآن نزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم بسبعة أحرف ( لهجات العرب ) الفصحـى فأقول لهـم :

    مقدمة:
    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.
    لما كانت قراءة أبي عمرو بن العلاء البصري أفصح القراءات القرآنية كما ذكر السيوطي في الإتقان حيث قال: "وأصحّ القراءات سند نافع وعاصم، وأفصحها أبو عمرو والكسائي"( ). فقد وجدتْ هذه القراءة الذيوع والانتشار في أنحاء العالم الإسلامي حيث ذكر ابن الجزري في حديثه عن انتشار هذه القراءة في الأمصار الإسلامية رواية عن ابن مجاهد عن وهب بن جرير قال: قال لي شعبة: "تمسك بقراءة أبي عمرو، فإنها ستصير للناس إسناداً". قال ابن الجزري معلِّقاً على ما قال شعبة: وقد صحَّ ما قاله شعبة رحمه الله تعالى فالقراءة التي عليها الناس اليوم بالشام والحجاز واليمن ومصر هي قراءة أبي عمرو بن العلاء، فلا تكاد تجد أحداً يلقن القرآن إلاَّ على حَرْفِهِ، خاصة في الفرش؛ وقد يخطئون في الأصول( ).
    ويمكننا أن نذكر بعض آراء السلف في هذه القراءة: رُوي أنَّ سفيان بن عيينة قال: رأيت رسول الله في المنام فقلتُ: يا رسول الله قد اختلفت عليَّ القراءات فبقراءة مَنْ تأمرني أن أقرأ فقال: بقراءة أبي عمرو بن العلاء. وعن عبيد القاسم بن سلام قال: حدثني شجاع بن أبي نصر وكان صدوقاً قال: رأيتُ النبي  في المنام فعرضت عليه أشياء من قراءة أبي عمرو فما ردّ عليَّ إلاّ حرفين:
     
  2. rahaal

    rahaal تربوي عضو ملتقى المعلمين

    980
    1
    16
    ‏2008-02-09
    معلم
    أحدهما: [البقرة: 128].
    والآخر: ننسأْها أيضاً بسورة البقرة( ).
    وقال أحمد بن حنبل في إحدى الروايات: قراءة أبي عمرو أحبّ القراءات إليّ، هي قراءة قريش وقراءة الصحابة( ). ويقال إنَّ هارون الرشيد أمر أبا محمد اليزيدي أن يقرئ أولاده بحرف أبي عمرو بن العلاء، وعلّل ذلك بقوله لفصاحته( ). وقال اليزيدي: كان أبو عمرو قد عرض القراءات فقرأ من كل قراءة بأحسنها وبما يختار العرب ومما بلغه من لغة النبي وجاء تصديقه في كتاب الله عزّ وجلّ( ).
    أمَّا أبو عمرو بن العلاء فاسمه زبان إمام العربية والإقراء مع الزهد والصدق والثقة، ليس في القُرَّاء السبعة أكثر شيوخاً منه، قرأ بمكة والمدينة والكوفة والبصرة على جماعة كثيرة، سمع أنس بن مالك وقرأعلى الحسن البصري وأبي العالية وسعيد بن جبير وعاصم بن أبي النجود وعبد الله بن إسحاق الحضرمي وابن كثير المكي وعكرمة مولى ابن عباس وابن محيصن ونصر عن عاصم ويزيد بن القعقاع المدني ويحيى بن يعمر العدواني.
    روى القراءة عنه أيضاً جماعة كثيرة منهم مشهورون مثل أبي زيد الأنصاري والأصمعي وعيسى بن عمر ويحيى اليزيدي وسيبويه ويونس بن حبيب، وكانت دفاتره ملء بيت إلى السقف، وقال عنه يونس بن حبيب تلميذه: لو قسّم علم أبي عمرو وزهده على مئة إنسان لكانوا كلهم علماء زهاداً والله لو رآه رسول الله لسرّه ما هو عليه( ).



    ومع القراءة المتكررة و مقارنة مع رواية حفص وورش، وظهر لي جلياً أنَّ لهذه القراءة مميزات تنفرد بها وتختص بها دون بقية القراءات الأخرى، فقد بيَّنتُ هذه المميزات في نقاط، وهي:
    [1] اختصت هذه القراءة بمسائل الإدغام الكبير ولم يقرأ به غيره من القُرَّاء السبعة.
    [2] أنَّ أبا عمرو كان يميل فيها إلى التخفيف ويترك التثقيل الذي يختاره غيره من القُرَّاء. قال مجاهد في السبعة عند استعراضه لأقوال الرواة عن أبي عمرو عند قوله تعالى ، يقول: "وهذا القول أشبه بمذهب أبي عمرو لأنّه كان يستعمل في قراءته التخفيف كثيراً ثم يقول مرة أخرى في نهاية حديثه والقول ما أخبرتك به من أنّه كان يؤثر التخفيف في قراءته كلها، والدليل على إيثاره التخفيف أنّه كان يدغم من الحروف ما لا يكاد يدغمه غيره ويليّن الساكن من الهمز ولا يهمز همزتين وغير ذلك( ).
    [3] ولم يكن يلتزم التخفيف تماماً في كل قراءته بل نجده أحياناً يختار التثقيل ويكون اختياره هذا عندما تكون قراءته بالتشديد واختياره له يحمل وجهاً في القراءة وعمقاً في اللغة لا يحمله التخفيف.
    [4] ومن أبرز هذه السمات التي تميِّز هذه القراءة أنّ أبا عمرو كان يخالف القُرَّاء كثيراً في حروف أجمعوا عليها حيث يقول علماء القراءات:



    قرأ جمهور السبعة كذا وقرأ أبو عمرو كذا، وعند توجيه القراءة نجد اختيار أبي عمرو يحمل عمقاً في اللُّغة يكون أكثر دلالة على المعنى.
    [5] تجده أحياناً يخيّر بين القراءتين وذلك إذا كان كل وجه يقرأ به يحمل معنى في اللُّغة جديراً بالاهتمام عنده. وفي اختياره للقراءة في كل ما ذكرنا عنه نجده أكثر القُرَّاء تمسُّكاً بالأثر والتزاماً به، ودليل ذلك ما قاله عن منهجه في القراءة: "لولا أن ليس لي أن أقرأ إلاَّ بما قُريء به لقرأت كذا كذا وكذا
    كذا"( ). فالقراءة عنده سنة متبعّة. قال الشاطبي:
    وما لقياس في القراءة مدخل
    [6] أمال إمالة محضة كلمة (النَّاس) المجرورة ولم يملها غيره من القُرَّاء.
    [7] وتراه أحياناً يخالف الرسم العثماني الذي اتفقت المصاحف عليه في عدد من الكلمات القرآنية( )، حيث اختار في قراءته وجهاً يخالف ما عليه الرسم في المصاحف العثمانية، وبذلك يخالف ركناً من شروط صحة القراءة قال ابن الجزري في ذلك:
    وكل ما وافق وجه النحو
    وصح إسناداً هو القرآن
    وحيثما يختل ركن أثبت
    وكان للرسم احتمالاً يحوي
    فهذه الثلاثة الأركان
    شذوذه لو أنّه في السبعة

    ونحن ـ إن شاء الله تعالى ـ نقف في هذا البحث مع هذه النقاط التي ذكرناها عن مميزات هذه القراءة ونقول مستعينين بالله:

    قرأ معظم القراَّء " إنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ "(1) بتشديد ( إنَّ )، و( هذان ) بالألف رفعاً، وهذا مما أشكل على أهل اللغة، ومردُّ هذا الإشكال إلى أن المثنى – كما هو معلوم – يعرب بالحروف، فهو بالألف رفعاً، وبالياء نصباً وجرّاً، إلا أنه في هذه الآية الكريمة جاءت كلمة (هذان) – وهي مما يلحق بالمثنى إعراباً – بالألف، مع أنها في محلِّ نصب؛ ولهذا تعددت أقوال العلماء فيها من نحويين ومفسرين، قدامى ومحدثين، وتشعبت آراؤهم، وكثرت التأويلات واختلفت التخريجات.
    وكثرة تلك التأويلات، واختلاف هذه التخريجات، مما يغري بالبحث في تتبعها، ودراستها، وتحليل حجج أصحابها من العلماء، ومناقشة ما اعترض عليها.
    ومما يلفت نظر الباحث، أن الصناعة النحوية، كانت حاضرة دائماً في أذهان العلماء، وهم يخَرِّجون هذه القراءة، أو يردُّون تخريجات أخرى، ولم يتنبَّه أحد منهم - فيما أعلم – على جعل المعنى الحَكَمَ في ذلك.
    ومن هنا جاءت فكرة هذا البحث؛ بهدف الخروج من ذلك الإشكال اللغوي، والوصول إلى الوجه الأقرب من الصواب والصحة.



    في هذه الآية الكريمة جملة قراءات، يمكن تفصيلها بما يلي:
    1 - قرأ نافع وابن عامر، وأبو بكر، وحمزة والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب وخلف "إنّ هَذَان"، بتشديد " إنّ" و "هَذَانِ" بالألف وتخفيف النون(2).
    2 - قرأ حفص، وعاصم في إحدى الروايتين، وابن محيصن، والزهري وإسماعيل بن قسطنطين، والخليل بن أحمد: "إنْ هَذَانِ لساحِران" بتخفيف نون "إنّ"(3) وقرأ ابن كثير هذه القراءة مع تشديد نون " هذانّ "(4).
    3 - قرأ أبو عمرو " إنّ هَذَيْنِ لسَاحِران " بتشديد ( إنَّ ) ونصب ( هذين ) بالياء، وهي قراءة مروية عن الحسن وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعيسى بن عمر وعاصم الجحدري(5). وهذه القراءة لا إشكال فيها من جهة النحو، إلاَّ أنها لم تسلم من مآخذ بعض النحويين فالفراء يقول(6): " ولست أشتهي أنْ أخالف الكتاب، ويقول الزجاج(7):"فأما قراءة عيسى بن عمر، وأبي عمرو ابن العلاء فلا أجيزها؛ لأنها خلاف المصحف". وهذه القراءات الثلاث السابقة رواها الجماعة عن الأئمة(8).

    قرأ عبد الله بن مسعود: "وأَسَرُّوا النَّجْوَى أنْ هذانِ سَاحِران "، بفتح ألف (أن)، وتسكين نونها، و "ساحران" بغير لام (9)، وروي عنه: " إنْ ذانِ إلا ساحران "(10).
    5 - وقرأت فرقة " إنْ ذانِ لسَاحِرانِ "(11).
    6 - وفي قراءة عن أُبيّ بن كعب: " ما هَذَانِ إلاّ سَاحِران " (12)، وروي أيضاً عنه: " إنْ هذان لساحران "(13).
    واختلفت أقوال العلماء وتخريجاتهم لهذه القراءات، وخاصة القراءة الأولى إذ تعددت تخريجات العلماء لها، فقال فريق من قدماء النحاة: إنه على حذف ضمير الشأن، والتقدير: إنّهُ هذان لساحران. جاء في معاني القرآن للزجاج (14):"قال النحويون القدماء: ههنا هاء مضمرة، المعنى: إنَّه هذان لساحران".
    وبذلك يكون ضمير الشأن اسم " إنّ " وجملة " هذان لساحران " خبر " إنّ ". وقد أخذ على هذا التخريج مأخذان:
    أولهما: أنّ حذف الضمير لا يكون إلاّ في الشعر.
    وثانيهما : أنّ دخول لام التوكيد على خبر المبتدأ شاذ(15).
    وللخروج من المأخذ الأول، قال بعضهم(16):" إن الهاء في " هذان " هي ضمير الشأن، فالضمير ليس محذوفاً، فكأنه قال: " إنّهُ ذان لساحران ".
    وهذا القول ضعيف، لأنه مخالف لرسم المصحف.
     
    آخر تعديل: ‏2011-08-27
  3. rahaal

    rahaal تربوي عضو ملتقى المعلمين

    980
    1
    16
    ‏2008-02-09
    معلم
    وللخروج من المأخذ الثاني، قيل(17): إن اللام لم تدخل على الخبر، وإنَّما دخلت على مبتدأ محذوف، والتقدير: "لهما ساحران"، وقد رد ابن جنى هذا القول، وسنفصله بعد قليل.
    وخرّج فريق آخر هذه القراءة على أنّ " إنَّ" بمعنى " نعم " فقد حكى الكسائي عن عاصم، قال(18) :" العرب تأتي بـ (إنَّ) بمعنى نعم "، وحكى سيبويه أن " إنَّ " تأتي بمعنى "أجل"، فقال(19) :"وأمَّا قول العرب في الجواب إنَّه، فهو بمنزلة أجل، وإذا وصلت قلت: إنّ، وهي التي بمنزلة أَجَل".
    وأورد النحاة شواهد على مجيء ( إنَّ ) بمعنى " نعم " من ذلك قول الشاعر(20):
    قَالُوا غَدَرْتَ، فَقُلْتُ: إنْ، وَرُبَّما نَالَ العُلَى وشَفَى الغَليلَ الغاِدرُ
    ومنه قول ابن قيس الرقيات(21):
    بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبــــــو
    ح يَلُمْنَنِي وَأَلُومُهُنَّـــــــــه
    ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَـــــــــلاَ
    ك وَقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ: إنَّــه
    ومن ذلك أيضاً ما أنشده ثعلب(22):
    لَيتَ شِعْرِي هَلْ للْمُحِبّ شِفَاء مِنْ جَوَى حُبِّهِنَّ إنَّ اللقاءُ
    والذي ذهب إلى أنَّ " إنَّ " في الآية الكريمة بمعنى " نعم " هو أبو إسحاق الزجاج، وكان عرض هذا القول على شيخه المبرد، وعلى إسماعيل بن إسحاق بن حماد، فقبلاه، واستحسناه،

    قال عندما تحدث عن هذه الآية الكريمة (23): " والذي عندي - والله أعلم - وكنت عرضته على عالمينا: محمد بن يزيد، و إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد القاضي، فقبلاه وذكرا أنه أجود ما سمعاه في هذا، وهو أنَّ (24)" إنَّ " قد وقعت موقع " نعم " وأن اللام وقعت موقعها وأن المعنى " نعم(25) هذان لهما ساحران".
    غير أن أبا الفتح عثمان بن جني، لم يرض هذا القول الذي جاء به الزجاج، وذلك أنّ في تقديره: نعم هذان لهما ساحران، تناقضاً وتضاداً فاللام - وهي للتوكيد - داخلة على (هما) المحذوفة، وفي هذا تناقض واضح، لأن المحذوف لا يحذف إلا بعد معرفته والعلم به، وإذا كان ذلك كذلك، فلا يحسن أن يؤكد، فالتوكيد من مواطن الإطناب، والحذف من مواطن الاختصار، فهما كما ترى ضدان.
    ويردّ ابن جني قول الزجاج السابق فيقول (26) :" واعلم أن هذا الذي رآه أبو إسحاق في هذه المسألة العلم بها، والمعرفة بموضعها، وكذلك كل محذوف لا يحذف إلا مع العلم به، ولولا ذلك لكان في حذفه مع الجهل بمكانه ضرب من تكليف علم الغيب للمخاطب، وإذا كان معروفا ، فقد استغنى بمعرفته عن تأكيده باللام، ألا ترى أنَّه يقبح أن تأتي بالمؤكِّد وتترك المؤكَّد فلا تأتي به، ألا ترى أن التوكيد من مواضع الإطناب والإسهاب، والحذف من مواضع الاكتفاء والاختصار، فهما إذاً كما ذكرت لك ضدان لا يجوز أن يشتمل عليهما عقد الكلام، ويزيد ذلك وضوحا امتناع أصحابنا من تأكيد المضمر المحذوف العائد على المبتدأ، في نحو: (زيد ضربت)، فيمن أجازه، فلا يجيزون (زيد ضربت نفسه)، على أن تجعل النفس توكيدا للهاء المرادة في ضربته، لأن الحذف لا يكون إلا بعد العلم، وإذا كان ذلك كذلك فقد استغنى عن مدخول غير صحيح، وأنا أذكره لتقف منه على ما في قوله، ووجه الخطأ فيه أن "هما" المحذوفة التي قدرها مرفوعة بالابتداء، لم تحذف إلا بعد تأكيده".

    ويحتج ابن جني لما ذهب إليه، بأن نحاة البصرة عدوا دخول اللام على خبر المبتدأ ضرورة، ولو كان قول الزجاج مستساغاً لديهم، جائزاً عندهم لما عدلوا عنه، ولما حملوا الكلام على الضرورة. يقول ابن جني(27) :"ويؤكد عندك ما ذكرت لك أن أبا عثمان وغيره من النحويين


    حملوا قول الشاعر (28) :
    أمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَ بَه
    على أن الشاعر أدخل اللام على الخبر ضرورة، ولو كان ما ذهب إليه أبو إسحاق وجهاً جائزاً، لما عدل عنه النحويون، ولا حملوا الكلام على الاضطرار، إذا وجدوا له وجهاً ظاهراً قوياً".
    وخَرَّج أكثر النحاة هذه القراءة على أنها جاءت على لغة من يجري المثنى بالألف دائماً، رفعاً ونصباً وجراً. قال ابن جني بعد أن ذكر هذه اللغة(29): " وعلى هذا تتوجه عندنا قراءة من قرأ " إنَّ هََذَانِ لَساحِرانِ " وقال ابن يعيش(30)" وأما قراءة الجماعة: " إنّ هذانِ لَسَاحِرَانِ " فأمثل الأقوال فيها أن تكون على لغة بني الحارث، في جعلهم المثنى بالألف على كل حال " وقال الفراء(31)" فقراءتنا بتشديد (إنَّ) وبالألف على جهتين : إحداهما على لغة بني الحارث بن كعب. يجعلون الاثنين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف"، وهذا اختيار أبي حيان، قال(32): والذي نختاره في تخريج هذه القراءة، أنها جاءت على لغة بعض العرب من إجراء المثنى بالألف دائماً " .
     
  4. rahaal

    rahaal تربوي عضو ملتقى المعلمين

    980
    1
    16
    ‏2008-02-09
    معلم
    وأنشدوا على هذه اللغة جملة من الأشعار، منها قول هوبر الحارثي(33) :
    تَزوَّدَ مِنَّا بَيْنَ أُذْناهُ ضربةً دَعَتْهُ إلى هاِبي التُّرابِ عَقِيمُ


    وقول المتلمس(34):
    فَأَطْرَقَ إطْراقَ الشُّجَاعِ وَلَوْ يَرَى مَسَاغَاً لِنَابَاهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما
    وقول الآخر(35):
    إنَّ أباهَا وأبا أباها قد بَلَغَا في المَجْدِ غَايتَاهَا
    وكذلك جاؤوا عليها بشواهد نثرية، روى الزجاج(36) عن كنانة قولهم: "ضربته بين أذناه، ومَن يشتري مني الخفَّان". وروى الفراء عن بني الحارث قولهم: "هذا خط يدا أخي بعينه(37) وعلل الفَرَّاء هذه اللغة، وجعلها أقيس من اللغة الفاشية فقال(38):" وذلك - وإن كان قليلاً - أقيس؛ لأن العرب قالوا: مسلمون، فجعلوا الواو تابعة للضمة؛ لأن الواو لا تعرب، ثم قالوا: رأيت المسلمينَ، فجعلوا الياء تابعة لكسرة الميم، فلما رأوا أن الياء من الاثنين لا يمكنهم كسر ما قبلها، وثبت مفتوحاً، تركوا الألف تتبعه فقالوا: رَجُلاَنِ في كل حال ".


    وإلى هذا كان أبو زيد يذهب، إذ قال(39): " سمعت من العرب من يقلب كل ياء ينفتح ما قبلها ألفاً " .
    وللفراء تخريج آخر لهذه القراءة فهو يقيسها على (الذين)، فقال(40): "والوجه الآخر أن تقول: وُجدت الألف من هذا دعامة، وليست بلام فعل، فلما ثنيت زدت عليها نوناً، ثم تركت الألف ثابتة على حالها لا تزول على كل حال، كما قالت العرب (الذي) ثم زادوا نوناً تدل على الجماع، فقالوا: الذين في رفعهم ونصبهم وخفضهم، كما تركوا (هذان) في رفعه ونصبه وخفضه".
    وقريب من هذا ما ذهب إليه ابن كيسان، قال أبو جعفر النحاس(41): "سألت أبا الحسن ابن كيسان عن هذه الآية، فقال: إن شئت أجبتك بجواب النحويين، وإن شئت أجبتك بقولي، فقلت: بقولك، فقال: سألني إسماعيل بن إسحاق عنها، فقلت: القول عندي أنه لما كان يقال: هذا في موضع الرفع والنصب والخفض على حال واحدة، وكانت التثنية يجب أن لا يغير لها الواحد. أجريت التثنية مجرى الواحد، فقال: ما أحسن هذا لو تقدمك أحد بالقول به حتى يؤنس به، فقلت؛ يقول القاضي به حتى يؤنس به فتبسم".
    ولكن صاحب اللسان كان أكثر توضيحاً وتفصيلاً لتخريج هذه القراءة، معتمداً على قول الفراء، وابن كيسان. جاء في اللسان(42): " وإنّ ثنيت "ذا" قلت: ذان لأنه لا يصح اجتماعهما (43) لسكونهما، فتسقط إحدى الألفين، فمن أسقط ألف "ذا" قرأ : " إنَّ هذين لساحران " فأعرب، ومن أسقط ألف التثنية قرأ " إنَّ هذان لساحران" لأن ألف "ذا "، لا يقع فيها الإعراب".
    لكن سيبويه كان يرى أن الألف الساقطة هي ألف "ذا" قال(44):" وتلك الأسماء : ذا وتاء، والذي، والتي. فإذا ثنيت "ذا" قلت: ذان، وإن ثنيت "تا" قلت: تَان، وإن ثنيت الذي قلت: اللَّذان...... وإنّما حذفت الياء والألف، لتفرق بينها وبين ما سواها من الأسماء المتمكنة

    غير المبهمة" وأيد ذلك ابن جني في الخصائص، فقال(45): "فأما قولهم: هذان وهاتان واللذان واللتان ... فلو قال قائل: إنَّ علم التثنية ... فيها عوض من الألف والياء، من حيث كانت هذه أسماء صيغت للتثنية... لا على حد (رجلان وفرسان) ولكن على حدِّ قولك: هما وهم وهُنَّ لكان مذهباً".
    وثمة قول في هذه القراءة وهو غريب في بابه، إذ تنسب هذه القراءة إلى اللحن والخطأ من الكاتب، فقد روى بعضهم عن عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن هذه القراءة، أنها قالت (46) :"هذا خطأ من الكاتب"، ومثل ذلك ما روى عن عثمان رضي الله عنه أنه نظر في المصحف فقال(47) :"أرى فيه لحناً وستقيمه العرب". وهذان الخبران لا يصحان أبدا وسنرى فيما بعد تفنيد العلماء لهما.
    ولشيخ الإسلام ابن تيمية رأي في قراءة هذه الآية الكريمة، يقوم على التفرقة بين الأسماء المبهمة المبنية، وغيرها من الأسماء، وكان يرى أن أصح القراءات لفظاً ومعنى هي قراءة جمهور القراء: " إنَّ هذان لساحران" وهي القراءة الموافقة لرسم المصحف. يقول (48): " في قوله تعالى : " إنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ" فإن هذا مما أشكل على كثير من الناس، فإن الذي في مصاحف المسلمين "إنّ هذان" بالألف وبهذا قرأ جماهير القراء ... والإشكال من جهة العربية على القراءة المشهورة، وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة، والكسائي وأبي بكر عن عاصم، وجمهور القراء عليها، وهي أصح القراءات لفظاً ومعنى".
    ثم بين منشأ الإشكال في هذه الآية الكريمة، فقال (49): "فإن منشأ الإشكال: أن الاسم المثنى يعرب في حال النصب والخفض بالياء، وفي حال الرفع بالألف، وهذا متواتر من لغة العرب: لغة القرآن". ثم أورد أمثلة من القرآن الكريم على هذه اللغة المتواترة، ثم قال (50): "ومثل هذا كثير مشهور في القرآن وغيره" ثمَّ أردف قائلاً (51): " فظن النحاة أن الأسماء المبهمة المبنية مثل هذين واللذين تجري هذا المجرى، وأن المبني في حال الرفع يكون بالألف، ومن هنا نشأ الإشكال". فهو يفرق بين الأسماء المبهمة المبنية، كأسماء الإشارة والأسماء الموصولة، وبين الأسماء الأخرى، وهو يرى أن العرب لا تنطق الأسماء المبهمة المثناة بالياء، بل تنطقها بالألف في الأحوال الثلاثة، الرفع والنصب والجر، يقول (52): " إنه لم يثبت أن لغة قريش، بل ولا لغة سائر العرب: أنهم ينطقون في الأسماء المبهمة إذا ثنيت بالياء، وإنما قال ذلك من قاله من النحاة قياساً، جعلوا باب التثنية في الأسماء المبهمة، كما هو في سائر الأسماء، وإلا فليس في القرآن شاهد على ما قالوه، وليس في القرآن اسم مبهم مبني في موضع نصب أو خفض إلا هذا، ولفظه (هذان) فهذا نقل ثابت متواتر لفظاً ورسماً ".
    ثم يجعل قياس هذه الأسماء المبنية على غيرها من الأسماء قياساً لا يصح. فيقول(53): "وحينئذ فنقول: قياس هذا بغيرها من الأسماء غلط، فإن الفرق بينهما ثابت عقلاً وسماعاً، أمَّا النقل والسماع فكما ذكرناه، وأمَّا العقل والقياس فقد تفطن للفرق غير واحد من حذّاق النحاة، فحكى ابن الأنباري وغيره عن الفراء، قال: ألف التثنية في "هذان" هي ألف هذا، والنون فرقت بين الواحد والاثنين، كما فرقت بين الواحد والجمع نون الذين ، وحكاه المهدوي وغيره عن الفرَّاء ولفظه قال: إنّه ذكر أن الألف ليست علامة التثنية، بل هي ألف هذا، فزدت عليها نوناً، ولم أغيرها، كما زدت على الياء من الذي، فقلت الذين في كل حال".
    ثم يقول (54): " فعلم أن هذه اللغة الفصيحة المعروفة عندهم في الأسماء المبهمة، تقول: إن هذان، ومررت بهذان، تقولها في الرفع والنصب والخفض بالألف. ومن قال إن لغتهم أنها تكون في الرفع بالألف، طولب بالشاهد على ذلك، والنقل عن لغتهم المسموعة منهم نثراً ونظماً، وليس في القرآن ما يشهد له، ولكن عمدته القياس".
    فهو يرى أن قياس هذه الأسماء المبهمة بغيرها من الأسماء غلط، لأن بينها فرقاً، وهو يرى أن هذا الفرق ثابت عقلاً وسماعاً.
    وهنا يستدرك على نفسه، بأنه ورد في القرآن الكريم اسمان مبهمان جاءا بالياء كسائر الأسماء، فيقول (55): "وقد يعترض على ما كتبناه أولاً، بأنه جاء أيضاً في غير الرفع بالياء كسائر الأسماء، قال تعالى : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ …)(56). ولم يقل : " اللذان أضلانا " كما قيل في " الذين " إنه بالياء في الأحوال الثلاثة، وقال تعالى في قصة موسى : ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ )(57) ولم يقل " هاتان " و " هاتان " تبع لابنتيَّ وقد يسمى عطف بيان، وهو يشبه الصفة".
    ثم يحاول أن يوفق بين هاتين الآيتين، وما ذهب إليه، فيقول (58): وأما قوله: " أَرِنَا اللَّذَيْن أَضَلاَّنا" فقد يفرق بين اسم الإشارة والموصول بأنّ اسم الإشارة على حرفين، بخلاف الموصول، فإن الاسم هو " اللذا " عدة أحرف، وبعده يزاد علم الجمع، فتكسر الذال وتفتح النون. وعلم التثنية، فتفتح الذال وتكسر النون. والألف فقلت(59) في النصب والجر، لأن الاسم الصحيح إذا جمع جمع التصحيح كسر آخره في النصب وفي الجر، وفتحت نونه، وإذا ثني فتح آخره، وكسرت نونه في الأحوال الثلاثة، وهذا يبين أن الأصل في التثنية هي الألف، وعلى هذا فيكون في إعرابه لغتان، جاء بهما القرآن: تارة يجعل " كاللذان " وتارة يجعل " كاللذين ".
    ثم يتابع، فيقول(60): ولكن في قوله : " إحدى ابنتي هاتين " كان هذا أحسن من قوله: "هاتان" لما فيه اتباع لفظ المثنى بالياء فيهما، ولو قيل : هاتان لأشبه(61) كما لو قيل: "إن ابنتي هاتان" فإذا جعل بالياء علم تابع(62) مبين عطف بيان لتمام معنى الاسم، لا خبر تتم به الجملة. أما قوله: " إن هذان لساحران " فجاء اسما مبتدأ: اسم (إن) وكان مجيئه بالألف أحسن في اللفظ من قولنا : " إن هذين لساحران " لأن الألف أخف من الياء، ولأن الخبر بالألف، فإذا كان كل من الاسم والخبر بالألف كان أتم مناسبة، وهذا معنى صحيح، وليس في القرآن ما يشبه هذا من كل وجه وهو الياء ".
    ثم يقرر أن ليس في القياس ما يناقض هذا المسموع، فيقول(63): "فتبين أن هذا المسموع والمتواتر ليس في القياس الصحيح ما يناقضه. لَكِنْ بينهما فروق دقيقة، والذين استشكلوا هذا إنما استشكلوه من جهة القياس لا من جهة السماع، ومع ظهور الفرق، يعرف ضعف القياس"(64).
    ثم يأتي بدليل آخر على أنه الأصل في اللغة أن يكون ( هذان ) بالألف، فيقول(65): "وقد يجيب من يعتبر كون الألف في هذا هو المعروف في اللغة، بأن يفرق بين قوله: "إن هذان" وقوله: "إحدى ابنتي هاتين" إن هذا تثنية مؤنث وذاك تثنية مذكر، والمذكر المفرد منه (ذا) بالألف، فزيدت نون للتثنية، وأما المؤنث فمفرده ( ذي ) أو ( ذه ) أو ( ته ) وقوله: "إحدى ابنتي هاتين " تثنية " تي " بالياء، فكان جعلها بالياء في النصب والجر أشبه بالمفرد، بخلاف تثنية المذكر وهو (ذا) فإنه بالألف، فإقراره بالألف أنسب، وهذا فرق بين تثنية المؤنث وتثنية المذكر، والفرق بينه وبين اللذين قد تقدم".
    ثم يقرر أن قراءة: " هذان " هي الموافقة للسماع والقياس، ولم يشتهر ما يعارضها في اللغة التي نزل بها القرآن، والله أعلم"(66).
    والحق أن ما ذهب إليه ابن تيمية مبني على أقوال القدامى من حذاق النحو، لكنه هو الذي فصله وقرره وأصله، وقد أشار هو نفسه إلى ذلك فقال (67): " فقد تفطن للفرق غير واحد من حذاق النحاة، فحكى ابن الأنباري، وغيره عن الفراء، قال: ألف التثنية في " هذان " هي ألف (هذا)، والنون فرقت بين الواحد والاثنين، كما فرقت بين الواحد والجمع نون الذين، وحكاه المهدوي وغيره عن الفراء ولفظه، قال: إنه ذكر أن الألف ليست علامة التثنية، بل هي ألف هذا، فزدت عليها نوناً ولم أغيرها كما زدت على الياء من الذي " فقلت الذين في كل حال، قال، وقال بعض الكوفيين: الألف في هذا مشبهة "يفعلان" فلم تغير كما لم تغير".
    قال ابن فارس(68): " وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الإعراب يقتضي أن يقال: " إن هذان " قال: "وذلك أن هذا اسم منهوك، ونُهْكه أنه على حرفين، أحدهما حرف علة، وهي الألف. و(ها) كلمة تنبيه ليست من الاسم في شيء، فلما ثني احتيج إلى ألف التثنية، فلم يوصل إليها لسكون الألف الأصلية، واحتيج إلى حذف أحديهما، فقالوا: إن حذفنا الألف الأصلية، وبقي الاسم على حرف واحد، وإن أسقطنا ألف التثنية كان في النون منها عوض ودلالة على معنى التثنية، فحذفوا ألف التثنية. فلما كانت الألف الباقية هي ألف الاسم، واحتاجوا إلى أعراب التثنية، لم يغيروا الألف عن صورتها، لأن الإعراب واختلافه في التثنية والجمع، إنما يقع على الحرف الذي هو علامة التثنية والجمع، فتركوها على حالها في النصب والخفض".
    ونقل ابن تيمية قول الجرجاني: " لمَّا كان اسما على حرفين، أحدهما حرف مد ولين، وهو كالحركة، ووجب حذف إحدى الألفين في التثنية، لم يحسن حذف الأولى لئلا يبقى الاسم على حرف واحد، فحذف علم التثنية، وكان النون يدل على الثنية، ولم يكن لتغيير النون الأصلية(69) الألف وجه فثبت في كل حال كما يثبت في الواحد"(70).
    كما نقل قول ابن كيسان الذي ورد معنا سابقاً، وبعد أن أورد هذه الأقوال، شرع يفصل فيها ويوضح المقصود منها فقال (71) موضحاً قول ابن كيسان: "وبيان هذا القول: أن المفرد "ذا" فلو جعلوه كسائر الأسماء لقالوا في التثنية: "ذوان" ولم يقولوا: "ذان" كما قالوا عَصَوَان ورَجَوَان، ونحوهما من الأسماء الثلاثية، "وها" حرف تنبيه، وقد قالوا فيما حذفوا لامه: أبوان، فردته التثنية إلى أصله، وقالوا في غير هذا. يدان، وأما ( ذا ) فلم يقولوا (ذوان)، بل قالوا (ذان)(72)) كما فعلوا في (ذي) و (ذات) التي بمعنى صاحب، فقالوا: هو ذو علم، وهم ذوا علم، كما قال: "ذواتا أفنان"(73) وفي اسم الإشارة قالوا: ذان وتان، كما قال: "فذانك برهانان من ربك"(74). فإن ذا، بمعنى صاحب هو اسم معرب، فتغير إعرابه في الرفع والنصب والجر، فقيل: ذو، وذا، وذي".
    ثم بين أن القياس في الأسماء المبنية. أن تكون على صورة واحدة لا تغير في أحوال الإعراب الثلاث، ولا في إفراد أو تثنيه أو جمع، فقال(75): " لكن أسماء الإشارة لم تفرق لا في واحده، ولا في جمعه بين حال الرفع والنصب والخفض، فكذلك في تثنيته، بل قالوا: قام هذا وأكرمت هذا، ومررت بهذا، وكذلك هؤلاء في الجمع فكذلك المثنى، قال: هذان، وأكرمت هذان، ومررت بهذان. فهذا هو القياس فيه، أن يلحق مثناه بمفرده وبمجموعه، ولا يلحق بمثنى غيره الذي هو أيضاً معتبر بمفرده ومجموعه، فالأسماء المعربة ألحق مثناها بمفردها، ومجموعها، وتقول رجل ورجلان ورجال، فهو معرب في الأحوال الثلاثة، يظهر الإعراب في مثناه كما ظهر في مفرده ومجموعه".
    وهنا يقرر أن من قال إن القياس في مثل هذه الأسماء أن يقال: إن هذين لم يكن الصواب لجانبه، فقال(76): "فتبين أن الذين قالوا: إن مقتضى العربية أن يقال: "إن هذين"، ليس معهم بذلك نقل عن العربية المعروفة في القرآن التي نزل بها القرآن، بل هي أن يكون المثنى من أسماء الإشارة مبنياً في الأحوال الثلاثة على لفظ واحد، كمفرد أسماء الإشارة ومجموعها".
    ومثل ذلك الأسماء الموصولة المثناة، فقياسها أن تكون بالألف في الأحوال الثلاثة، ويقول في ذلك (77): " .. وهو بالألف في الأحوال الثلاثة، لأنه اسم مبني والألف فيه بدل الياء في الذين " ويؤيد ما ذهب إليه بأقوال قدامى النحاة فيقول(78): "وما ذكره الفراء وابن كيسان وغيرهما، يدل على هذا، إن الفراء شبه هذا بالذين(79) إلا أنه يستدرك على الفراء فيقول: " وتشبيه اللذان به أولى".
    ثم يذكر قول ابن كيسان فيقول(80): "وابن كيسان علل بأن المبهم مبني لا يظهر فيه الإعراب، فجعل مثناه كمفرده ومجموعه، وهذا العلم يأتي في الموصول". ثم يؤيد مذهبه هذا بالمضمرات، ويوضح التشابه بين المضمرات، وأسماء الإشارة، فيقول (81): "يؤيد ذلك أن المضمرات من هذا الجنس، والمرفوع والمنصوب لهما ضمير متصل ومنفصل، بخلاف المجرور، فإنه ليس له إلا متصل، لأن المجرور لا يكون إلا بحرف، أو مضاف لا يقدم على عامله، فلا ينفصل عنه، فالضمير المتصل في الواحد الكاف من أكرمتك، ومررت بك، وفي الجمع أكرمتكم ومررت بكم. وفي التثنية زيدت الألف في النصب والجر، فيقال أكرمتكما ومررت بكما، كما نقول في الرفع، ففي الواحد والجمع فعلت وفعلتم، وفي التثنية فعلتما بالألف وحدها، زيدت علما على التثنية في حال الرفع والنصب والجر، كما زيدت في المنفصل في قوله: إياكما وأنتما".
    وبعد هذه المناقشة المستفيضة يقرر النتيجة المستحصلة من ذلك، فيقول(82): "فهذا كله مما يبين أن لفظ المثنى في الأسماء المبنية في الأحوال الثلاثة نوع واحد: لم يفرقوا بين مرفوعه وبين منصوبه ومجروره، كما فعلوا ذلك في الأسماء المعربة، وأن ذلك في المثنى أبلغ منه في لفظ الواحد والجمع، إذا كانوا في الضمائر يفرقون بين ضمير المنصوب والمجرور، وبين ضمير المرفوع في الواحد والمثنى، ولا يفرقون في المثنى وفي لفظ الإشارة والموصول، ولا يفرقون بين الواحد والجمع وبين المرفوع وغيره، ففي المثنى بطريق أولى".
    ومما تجدر ملاحظته، أن ابن تيمية وسابقيه ممن اعتمد على أقوالهم، سوغوا هذه القراءة تسويغاً لغويا، يتصل ببنية الكلمة، إذ إن أصل هذان (ذا) على حرفين ثانيهما حرف علة، فإذا ما ثنيت، وأدخل عليها (ألف) علامة التثنية، التقى ساكنان، فوجب أن تحذف الألف الثانية (ألف التثنية) لوجود ما يدل عليها، وهو النون (نون التثنية)، وحذف المدلول عليه أولى من حذف غيره.
    وبعد أن سقنا هذه الآراء، لابد أن نبدي ما نراه من ملاحظات عليها، فنبدأ برأي ابن تيمية؛ لأن فيه شيئاً من التفرُّد، فهو وإن اعتمد على أقوال متفرِّقة لسابقيه، إلا أنه هو الذي جمع بين تلك الأقوال، ثم فصّل فيها تفصيلا مسهباً، حتى قرّر هذا الرأي وأصّله واحتفل به.
    ويتضح تفرّده في أن سابقيه – ممن بنى رأيه على أقوالهم وإشاراتهم – إنما ذكروا تلك الأقوال على سبيل الاحتمال، وليس اليقين، ووجدنا بعضهم يجعل هذا الرأي هو الوجه الثاني لتخريج تلك القراءة. أما ابن تيمية فكان متيقِّناً من صحّة رأيه واثقاً به؛ ولذا دحض كل الآراء السابقة وأبطلها.
    وفي الحق، أن رأيه مبني على دراسة لغوية نظرية، تعتمد التحليل النظري للأسماء المبهمة ومقارنتها بالأسماء المعربة، بعيداً عن لمح الواقع اللغوي المسموع.
    فهو يرى أن النحويين ظنوا أن الأسماء المبهمة، تجري مجرى الأسماء المعربة المثناه، وكأن النحويين الأوائل، لم يأخذوا اللغة من أفواه ناطقيها الذين عنهم أخِذت اللغة ودوِّنت، ثم صيغت الأحكام والقواعد النحوية، ولو لم يكن النحويون والقراء يخالطون العرب، ويسمعون منهم استعمال هذه الأسماء المبهمة وفق القواعد المستنبطة، وأنها تجري مجرى الأسماء المعربة المثناه، لما لفتت انتباههم هذه القراءة، ولما حاولوا جاهدين تخريجها على أوجه عدّة؛ ولا سيما أن أسماء الإشارة تتردد على ألسنة العرب كثيراً، فهي ليست نادرة الاستعمال حتى تقاس على غيرها.
    ومما يؤخذ على رأي ابن تيمية، تكلُّفه في ردّ الاعتراض بقوله تعالى(83): "... رَبَّنَا أَرِنا الَّذَيْنِ أضلانا" وقوله(84): "... إحدى ابنتي هاتين" فـ(اللذين) و(هاتين) وهما من الأسماء المبهمة جاءا بالياء، وهذا خلاف رأيه بأن كل الأسماء المبهمة المثناة تأتي بالألف. ولذا تمحل كثيرًا في التوفيق بين هاتين الآيتين وما ذهب إليه. ثم لم يجد بدّاً من أن يقول في (اللذين): "في إعرابه لغتان، جاء بهما القرآن: تارة يجعل كاللذان، وتارة يجعل كاللذين" أما في قوله تعالى: "إحدى ابنتيّ هاتين" فإنه يجعل مجيء (هاتين) بالياء اتباعاً للفظ المثنى (ابنتي) بالياء. وفي هذا تكلُّف واضح كما أرى. وكذلك يقارن بين (ذا) و(تي) فيرى أنه زيدت نون التثنية على (ذا)، فأصبح (ذان) في الأحوال الثلاثة، وزيدت نون التثنية على (تي) فأصبح (تين)، فيكون جعلها بالياء في النصب والجر أشبه بالمفرد (تي) بخلاف تثنية (ذا) فعندما تضاف النون يصبح (ذان) في الأحوال الثلاثة، فهو أشبه بالمفرد. وهنا نتساءل: ولِمَ لم تكن (تين) بالرفع في الأحوال الثلاثة لتكون أشبه بالمفرد الذي هو (تي)؟!
    وأما القول بأنَّ ( إنَّ ) بمعنى ( نعم )، فإن السياق والمعنى يجعلانه مرجوحاً؛ والذين ذهبوا هذا المذهب لم ينتبهوا إلى دلالة المعنى، وكذلك الذين ردّوه، إنّما ردوه باعتبار الصناعة النحوية، ولم يحَكِّموا المعنى.
    ولو وضعنا هذه الآية في سياقها، لاتضح لنا ذلك، يقول تعالى(85):" فتنازعوا أمرهم بينهم وأسرّوا النجوى ¤ قالوا إن ّ هذان لساحران ".
    فالمعنى كما جاء في تفسير أبي السعود(86):" فتنازعوا: أي السحرة ... وتشاوروا، وتناظروا بينهم في كيفية المعارضة ... وأسروا النجوى أي من موسى عليه الصلاة والسلام؛ لئلا يقف عليه فيدافعه، وكان نجواهم ما نطق به قوله تعالى:" قالوا " أي بطريقة التناجي والإسرار:" إنّ هذان لساحران " إلخ ... فإنه تفسير له، ونتيجة لتنازعهم، وخلاصة ما استقرّت عليه آراؤهم بعد التناظر والتشاور ".
    فالتنازع بين السحَرَة، والتشاور، والتناظر، وإسرار النجوى، كل هذا يتطلّب توكيداً لنتيجة التناظر، وخلاصة التشاور في أن موسى وهارون عليهما السلام ساحران، وهذا يقتضي أن تكون ( إنَّ ) هي المؤكدة، وليست التي بمعنى ( نعم )؛ لأن هذه الأخيرة، وإن كان المعنى يستقيم معها، لا تؤدي معنى التوكيد والإصرار اللذين يتطلبهما الموقف وملابساته.
    وتؤكد هذا المعنى وتقويه قراءة ابن مسعود:" إنْ ذان إلاّ ساحران" وقراءة أبيّ بن كعب:" ما هذان إلاّ ساحران" اللتان أشرنا إليهما في بداية هذا البحث.
    ولعل هاتين القراءتين، تؤديان هذا المعنى أكثر؛ إذ النفي، ثم الحصر، فيهما قوة نفي لنبوة موسى وهارون عليهما السلام، وإثباتاَ لكونهما ساحرين ليس إلاّ.
    وهذا يتّسق اتساقاَ تامّاً مع الموقف ودلالاته، فالسحرة يحاولون جاهدين وبإصرار عجيب أن ينفوا عن موسى وهارون النبوة، ويثبتوا أنهما ساحران لا غير، وهذا ما تؤديه هاتان القراءتان.
    ويوافق هذا قراءة من قرأ(87):" إنْ هذان لساحران" بتقدير ( إنْ ) نافية، واللام بمعنى ( إلاّ )، ويكون المعنى عندئذ: ما هذان إلاّ ساحران(88).
    أما الرأي القائل إن هذه القراءة جاءت على لغة لبعض العرب في إجراء المثنى بالألف رفعاً ونصباً وجراًّ، فلعله هو الأقرب إلى الصواب للأسباب الآتية:
    أ‌- إن هذه اللغة كانت معروفة، وقد تكلم بها خلق كثير من العرب، فهي تنسب إلى عدّة قبائل فصيحة.
    ب‌- إن لهذه اللغة وجهاً معتبراً في القياس، بل جعلها الفرّاء هي الأقيس، كما رأينا سابقاً.
    ج‌- إن معظم النحويين والعلماء اطمأنوا لهذا الرأي، وتبنّوه.
    د‌- سلامة هذا الرأي من المآخذ، والعلل القادحة، فلم نجد أحداً من العلماء أخذ عليه أيَّ مأخذ.
    هـ- إن هذا الرأي يغنينا عن كثير من التخريجات، والتعسّف في التأويلات التي رأيناها في بعض الأقوال الأخرى.
    أما ما زعمه بعضهم أن في المصحف لحناً أو خطأ من الكاتب، فإن ابن تيمية يبين بطلان هذا الزعم ويدحضه ويفنده، ويورد الأدلة الساطعة والبراهين الدامغة على بطلانه، فبعد أن أورد ذلك الزعم قال(89): "فإن هذا ممتنع لوجوه : منها تعدد المصاحف، واجتماع جماعة على كل مصحف، ثم وصول كل مصحف إلى بلد كبير، فيه كثير من الصحابة والتابعين، يقرؤون القرآن ويعتبرون ذلك بحفظهم، والإنسان إذا نسخ مصحفاً، غلط في بعضه، عرف غلطه بمخالفته حفظه القرآن وسائر المصاحف، فلو قدر أنه كتب كاتب مصحفا، ثم نسخ سائر الناس عنه، من غير اعتبار للأول، والثاني أمكن وقوع الغلط في هذا، وهنا كل مصحف إنما كتبه جماعة، ووقف عليه خلق عظيم ممن يحصل التواتر بأقل منهم، ولو قدر أن الصحيفة كان فيها لحن، فقد كتب منها جماعة، لا يكتبون إلا بلسان قريش، فكيف يتفقون كلهم على أن يكتبوا: " إن هذان " وهم يعلمون أن ذلك لحناً، لا يجوز في شيء من لغاتهم".
    ثم يورد قول ابن الأنباري(90): "حديث عثمان لا يصح، لأنه غير متصل، ومحال أن يؤخر عثمان شيئاً، ليصلحه من بعده".
    ثم يفصل ابن تيمية القول، ويزيده وضوحاً فيقول(91): "قلت: ومما يبين كذب ذلك أن عثمان لو قدر ذلك فيه، فإنما رأى ذلك في نسخة واحدة، فإما أن تكون جميع المصاحف اتفقت على الغلط، وعثمان قد رآه في جميعها وسكت، فهذا ممتنع عادة وشرعاً من الذين كتبوا، ومن عثمان، ثم من المسلمين الذين وصلت إليهم المصاحف، ورأوا ما فيها، وهم يحفظون القرآن، ويعلمون أن فيه لحناً لا يجوز في اللغة، فضلاً عن التلاوة، وكلهم يقر هذا المنكر لا يغيره أحد، فهذا مما يعلم بطلانه عادة، ويعلم من دين القوم الذي لا يجتمعون على ضلالة، بل يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، أن يدعوا في كتاب الله منكراً لا يغيره أحد منهم، مع أنهم لا غرض لأحد منهم في ذلك. ولو قيل لعثمان مُر الكاتب أن يغيره، لكان تغييره من أسهل الأشياء عليه".
    ثم يجزم بخطأ هذا الزعم وبطلانه، فيقول(92): "فهذا ونحوه مما يوجب القطع بخطأ من زعم أن في المصحف لحناً أو غلطاً، وإن نقل ذلك عن بعض الناس، ممن ليس قوله حجة، فالخطأ جائز عليه، فيما قاله بخلاف الذين نقلوا ما في المصحف، وكتبوه وقرؤوه، فإن الغلط ممتنع عليهم في ذلك".
    ثم يقول(93): من زعم أن الكاتب غلط، فهو الغالط غلطاً منكراً … فإن المصحف منقول بالتواتر، وقد كتبت عدة مصاحف، وكلها مكتوبة بالألف، فكيف يتصور هذا الغلط.
    ويتابع منكراً إنكاراً شديداً على من زعم وجود مثل هذا اللحن في القرآن، مورداً الأدلة الباهرة التي تزيل كل شك فيقول(94): " وأيضاً فإن القراء إنما قرؤوا بما سمعوه من غيرهم، والمسلمون كانوا يقرؤون (سورة طه ) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهي من أول من نزل من القرآن، … وهي مكيّة باتفاق الناس. … فالصحابة لابد أنهم قد قرؤوا هذا الحرف. ومن الممتنع أن يكونوا كلهم قرؤوه بالياء، كأبي عمرو فإنه لو كان كذلك لم يقرأها أحد إلا بالياء، ولم تكتب إلا بالياء، فعلم أنهم أو غالبهم، كانوا يقرؤونها بالألف، كما قرأها الجمهور، وكان الصحابة بمكة والمدينة والشام والكوفة والبصرة، يقرؤون هذه السورة في الصلاة، وخارج الصلاة، ومنهم سمعها التابعون، ومن التابعين سمعها تابعوهم، فيمتنع أن يكون الصحابة كلهم قرؤوها بالياء، مع أن جمهور القراء لم يقرؤوها إلا بالألف، وهم أخذوا قراءتهم عن الصحابة، أو عن التابعين عن الصحابة، فهذا مما يعلم به قطعاً، أن عامة الصحابة، إنما قرؤوها بالألف، كما قرأ الجمهور، وكما هو مكتوب".
    ثم يخلص إلى القول(95): " فعلم أن هذه اللغة الفصيحة المعروفة، عندهم في الأسماء المبهمة، تقول: إن هذان، ومررت بهذان. تقولها في الرفع والنصب والخفض بالألف، ومن قال إن لغتهم إنَّما تكون في الرفع بالألف طولب بالشاهد على ذلك، والنقل على لغتهم المسموعة منهم نثراً أو نظماً، وليس في القرآن ما يشهد له".
    وبهذه البراهين الساطعة، والأدلة الدامغة، تسقط فرية أن في القرآن لحناً، ورحم الله ابن تيمية فقد دفع هذه التهمة دفعاً شديداً، وأبطلها بطلاناً مبيناً، وفصّل في ذلك تفصيلاً، لم يترك فيه مزيداً لمستزيد.
    ومن المحدثين الذين أدلوا بدلوهم في تخريج هذه الآية الكريمة، إبراهيم مصطفى، فبعد أن قرَّر أن الأصل في العربية أن يكون المسند إليه مرفوعاً(96) ، قال(97): "أمَّا النوع الثاني وهو اسم "إنَّ" فإنَّه متحدث عنه، وحقه الرفع على أصلنا الذي قررناه، ولكنه منصوب، ولا نتحرج أن نقول: إنَّ النحاة قد اخطؤوا فهم هذا الباب وتدوينه، ثم تجرؤوا على تغليط العرب في بعض أحكامه" ثم يقول(98): " ورد اسم إنَّ مرفوعاً في الشعر وفي القرآن الكريم، وفي الحديث، ففي القرآن الكريم " قالوا " إن هذان لساحران " فذهب النحاة يتأولون أعسف تأويل، ليمضي حكمهم في اسم "إنَّ" لا يكون إلاَّ منصوباً".
    ثم علل ذلك بقوله(99): " وإذا تركنا حكم النحاة لحظة، ونظرنا أسلوب العرب فيما بعد "إنَّ" وجدنا أنهم لمحوا حقه في الرفع فورد عنهم مرفوعاً، وعطفوا عليه بالرفع، وأكدوه بالرفع أيضاً، وذلك شاهد لما رأينا من أنّ الموضع للرفع، وأنه وجه الكلام في اسم "إنَّ" ولكننا لا ننكر أنه ورد منصوباً، وكان النصب هو الغالب عليه" ثم يتساءل عن سبب نصبه فيقول(100): "… لقد راقبنا استعمال : "إنَّ" وخاصة في القرآن الكريم، ووجدناها أكثر ما تستعمل متصلة بالضمير مثل، إنَّك، إنَّه " .
    ثم يقدم إحصائية بورود إنَّ في القرآن الكريم، فقد وردت متصلة بالضمير (740) مرة، وبالاسم الظاهرة (323) مرة، ومكفوفة (139) مرة(101). ثم يقول(102): " ونعلم من أسلوب العرب أنَّ الأداة إذا دخلت على الضمير، مال حسهم اللغوي إلى أن يصلوا بينهما، فيستبدلون بضمير الرفع ضمير النصب، لأن ضمير الرفع لا يوصل إلاَّ بالفعل، ولأن الضمير المتصل أكثر في لسانهم، وهم أحب استعمالاً له من المنفصل ".
    وبعد ذلك يقول(103): " فهذا المسلك من العربية يفسر لنا ما نراه في استعمال العرب اسم "إنَّ" منصوباً، وما نجده من أثر الرفع فيه، إذ يجيء أحياناً مرفوعاً، ثم يعطف عليه، ويؤكد بالرفع أيضاً، وذلك أنهم لما أكثروا من إتباع "إنَّ" بالضمير جعلوه ضمير نصب، ووصلوه بها، وكثر هذا حتى غلب على وهمهم أن الموضوع للنصب، فلما جاء الاسم الظاهر نصب أيضاً، وهذا موضع دقيق في العربية، ولكنه صحيح مطّرد عند الاختبار، أثبته النحاة وسموه الإعراب على التوهم".
    والحقيقة أن ما ذهب إليه إبراهيم مصطفى متسق مع نقده لنظرية العامل النحوي، ومنطلق من رأيه في أن الضمة علم الإسناد، والكسرة علم الإضافة، والفتحة ليست علامة إعراب.
    غير أن ما يؤخذ عليه أنّه جعل القليل هو الأصل، والكثير هو الفرع ففي إحصائيته التي أوردها ورد اسم "إنَّ" الظاهر في القرآن الكريم منصوباً (323) مرة. وجعل هذا النصب ضرباً من الوهم. وهذا مردود بأمرين: أولهما أنَّه لا يمكن أن يُنْسب الوهم لأسلوب القرآن الكريم، وثانيهما أن ما ذكره النحويون من الوهم كان قليلاً نادراً، أمَّا أن يكون الغالب هو الوهم، فهذا مجانب للمنطق والعقل.
    ثم لماذا توهّم العرب؟! ألأنَّهم وجدوا ( إنَّ ) تتصل بها لاحقة كالهاء مثلاً، فيقول متكلمهم: إنّه رجلٌ، فيتحقق لديه أن موضع هذه اللاحقة ( الضمير ) النصب، لأن الهاء من ضمائر النصب! فيتوهم عندئذ أن الاسم الذي يلي ( إنَّ ) يجب أن يكون منصوباً، فينصبه. سبحان الله! وهل كان العرب يدركون أنَّ هذه اللاحقة ضمير نصب؟ وهل كانوا يعرفون مصطلح النصب؟! أم كانوا يتكلمون على سليقتهم التي فطروا عليها، دونما معرفة بهذه المصطلحات التي وضعها النحويون فيما بعد. ولعلنا لا نجانب الحقيقة إذا قلنا: إنَّ هذا هو الوهم بعينه.












    الخاتمـــــة
    وبعد ...
    لقد استعرضنا في هذا البحث المقتضب آراء النحويين والعلماء، وتخريجاتهم لقراءة " إنّ هذان لساحران "، وأوردنا حجج كل فريق وأدلته، وبينّا ما أخِذ على كل رأي، وبسطنا القول في رأي ابن تيمية؛ لأن فيه شيئاً من التفرُّد، فمع أنه اعتمد على أقوال وإشارات لسابقيه، إلا أنه هو الذي جمعها وألّف بينها، وقرّر هذا الرأي وأصّله وأسهب في الحديث عنه، واحتفل به، وجمع له الأدلة والبراهين. وبعد أن استوفينا القول في هذا الرأي، أخذنا عليه بعض المآخذ الجوهرية، ووضّحنا التكلُّف في بعض جوانبه.
    ثم عرضنا الرأي القائل: إن هذه القراءة جاءت على لغة لبعض العرب في إجراء المثنى على الألف دائماً رفعاً ونصباً وجراًّ، وأثبتنا أقوال العلماء فيها، وأوردنا الشواهد الشعرية والنثرية عليها، وذهبنا إلى أن هذا الرأي هو الأقرب إلى الصواب والصحّة. وهو الذي يطمئن إليه الباحث لجملة من الأسباب ذكرناها ثَمة. أما من ذهب إلى أن في القرآن لحناً، فقد بينّا بطلان هذا القول، وعدم ثبوته عند أدنى تفكر وتأمل. وألمعنا أخيراً إلى رأي إبراهيم مصطفى من المحدثين، وذكرنا المآخذ عليه.
    وفي الختام نرجو أن نكون قد وفينا هذا البحث حقه، ووصلنا إلى الأصح من الأقوال في قراءة هذه الآية الكريمة.
     
  5. حـتّـى

    حـتّـى تربوي جديد عضو ملتقى المعلمين

    626
    0
    0
    ‏2011-03-22
    معلمة

    بحث وافي ..
    جزاك الله خيرا ..

     
  6. rahaal

    rahaal تربوي عضو ملتقى المعلمين

    980
    1
    16
    ‏2008-02-09
    معلم
    أشكرك مشرفتنا الفاضلة
    على مرورك العطر

    دمت في حفظ الرحمن