Maroom

مقالات ملتقى المعلمين والمعلمات

مقال تربوي التشابه بين النظام التعليمي في النمسا وبعض مسارات تطوير التعليم الجديدة في المملكة


1591465410306.png

بقلم : د. عبدالرحمن بن حمد الحميضي

النمسا لديها نظام تعليمي مدرسي غني وعريق منذ القرون الوسطى


اعتمدت وزارة التعليم بالمملكة في الآونة الأخيرة مشروع «تطوير مسارات الثانوية العامة والأكاديميات المتخصصة» الذي تم إعداده من قبل ورشات عمل من الباحثين وخبراء التعليم من مختلف الجهات ذات العلاقة، والتي قامت بتحليل ودراسة الواقع القائم، ومقارنة مخرجات هذه المرحلة التعليمية مع مثيلاتها في الدول الإقليمية والعالمية، والمسارات المعتمدة لدى الدول المتقدمة، وتحليل واقع القبول بالجامعات ومخرجاتها، واحتياجات سوق العمل في السنوات والعقود اللاحقة من القرن الواحد والعشرين. وهو في الحقيقة مشروع إصلاحي تحديثي طموح سيغير منظومة التعليم المدرسي بالمملكة تغييرا جذريا، ولا يوجد هناك أدنى شك بأن هذا المشروع يأتي ضمن إستراتيجية واضحة لإصلاح منظومة التعليم بالمملكة التي يتبناها معالي وزير التعليم المحنك الدكتور حمد بن محمد آل الشيخ.

ونظرا لأن جمهورية النمسا من الدول الأوربية الصناعية المتقدمة ولديها نظام تعليم مدرسي غني وعريق، ولوجود بعض ملامح التشابه بين نظام التعليم المدرسي النمساوي، وبين بعض مسارات مشروع التطوير والتحديث المزمع تطبيقه في المملكة، لذا أود أن أطلع القارئ الكريم على بعض خصائص نظام التعليم المدرسي النمساوي من خلال اللمحة الموجزة التالية.

بدأ التعليم الأولي في النمسا منذ القرون الوسطى في الأديرة الكنسية وكان مقتصرا بالطبع على المرشحين المستجدين للدخول في الرهبنات المختلفة من اليافعين ذكورا وإناثا، كما كانت الأديرة تتولى تعليم أبناء وبنات النبلاء وتتلقى من ذويهم مقابل ذلك الأوقاف والهبات المجزية، وقد برزت من بين تلك الرهبنات التي أولت التعليم عناية خاصة كل من الرهبنة البندكتينية، والرهبنة اليسوعية، والرهبنة البيارستينية، و أقدم مدرسة قائمة في النمسا هي «مدرسة دير ميلك» البندكتيني في ولاية النمسا المنخفضة، التي أسست في القرن الثاني عشر الميلادي، وما زالت تعمل حتى يومنا هذا. وأما أبناء الطبقة المتوسطة فكانوا يتعلمون القراءة والكتابة على يد معلمين خصوصيين مقابل أجور يدفعها لهم أهل الولد.

وقد استمر الحال على هذا المنوال حتى عام 1774م، حيث أصدرت الإمبراطورة (ماريا تيريزيا) وكانت الوصية على العرش آنذاك مرسوما جعلت بموجبه تعليم الذكور من أبناء عموم الشعب حكوميا بل وإلزاميا أيضا ومدته ست سنوات، فنشأت بناء على ذلك «مدرسة الشعب ـ Volksschule» كما نظم المرسوم تعليم وإعداد المعلمين، وتوحيد الكتب المدرسية أي أنه أطلق عملية إصلاحية كبرى وشاملة في مجال التعليم ما زالت آثارها الطيبة مستمرة حتى الآن، لأن كل التعديلات والإصلاحات التي تلت في القرون اللاحقة بنت على ذلك الأساس المتين.

وتابع ابن ماريا تيريزيا وخلفها الإمبراطور جوزيف الثاني تطوير التعليم المدرسي الحكومي فأسس المرحلة المدرسية الثانية بمسمى «المدرسة الرئيسة ـ Hauptschule» كما أنشأ مدارس نموذجية لتدريب المعلمين سميت «المدرسة النمطية ـ Normalschule»





واهتم ببناء المدارس، مما أثار اهتمام وإعجاب الإمبراطورة الروسية كاترينا الثانية التي قررت بعد أن التقت بالإمبراطور جوزيف الثاني عام 1780م، تطبيق النظام المدرسي النمساوي في روسيا بما في ذلك الكتب المدرسية النمساوية، التي ترجمت إلى اللغة الروسية.

في عام 1848م أنشأت أول وزارة للتعليم تحت مسمى «وزارة التعليم العمومي»، وفي عام 1869م صدر مرسوم إصلاحي شامل للتعليم المدرسي أضيفت بموجبه سنتان للإلزام المدرسي فأصبح 8 سنوات في «المدرسة الإلزامية الموحدة»، أو كخيار يتعلم التلميذ في مدرسة الشعب لمدة 5 سنوات ثم ينتقل بعد ذلك إلى نمط مدرسي جديد سمي «مدرسة المواطنين ـ Buergerschule» ومدتها 3 سنوات، ومهمتها إعداد اليافعين بعد تخرجهم منها لمزاولة المهن العملية التجارية والحرفية، كما استحدث منها فرع نسوي لتلتحق الفتيات به وفقا لمنهاج تعليمي معدل يتضمن نسبة أقل من مادتي الحساب والهندسة، مع إضافة مواد الأشغال اليدوية. وبموجب هذا المرسوم أيضا أنهي الإشراف الكنسي على النظام التعليمي وأصبح تحت إشراف الدولة منفردة.

وبعد إنهاء مدة الإلزام المدرسي (8 سنوات) كان بإمكان أبناء الأسر الغنية الالتحاق بالمدارس الثانوية (Gymnasium) تمهيدا للالتحاق بالجامعات، غير أن ذلك لم يكن متاحا للفتيات، وفي عام 1892 أنشأت أول مدرسة ثانية للبنات، ولم يسمح لخريجاتها الالتحاق بالجامعات حتى عام 1901 حيث سمح لهن بالدراسة في كليتي الفلسفة والطب فقط.

وفي بداية العهد الجمهوري عام 1918 تولى شؤون التعليم في الدولة الجديدة المصلح التربوي أوتّو جلوكل (Otto Gloeckl) حيث أسند له منصب سكرتير الدولة لشؤون التعليم في وزارة الداخلية، فشكل لجنة للإصلاح المدرسي خرجت بتوصيات طموحة وضعها جلوكل موضع التنفيذ أهمها تقرير مبدأ «أن لكل طفل بغض النظر عن جنسه وعن وضعه الاجتماعي الحق بالحصول على القدر الأمثل من التعليم» وبموجب ذلك سمح للبنات اعتبارا من عام 1919 بالالتحاق بمدارس البنين الثانوية، مما سهل على بنات الطبقات غير الميسورة ماديا الحصول على شهادة الثانوية العامة والالتحاق بمختلف فروع الدراسة الجامعية. ومن جهة أخرى صدرت عن لجنة الإصلاح المدرسي توصيات لتجديد وتعديل المناهج التعليمية أدخلت حيز التنفيذ فيما بعد. وتابع أوتّو جلوكل مساعيه الإصلاحية بعد ذلك من موقعه الجديد كرئيس لمجلس مدارس مدينة فيينا فصدر عام 1927 تعديل على النظام المدرسي بحيث قسمت المرحلة الإلزامية إلى قسمين متساويين أي المدرسة الابتدائية «مدرسة الشعب ـ Volksschule» ومدتها 4 سنوات و»المدرسة الرئيسية ـ Hauptschule» ومدتها 4 سنوات أيضا، ويسمح لتلاميذ هذه الأخيرة الالتحاق بالمرحلة الثانية (العالية) من المدرسة الثانوية إذا حصلوا في نهاية السنة الرابعة على علامات لا تقل عن جيد جدا في المواد الرئيسية (اللغة الألمانية، الرياضيات، واللغة الأجنبية)، وإلا فلهم الالتحاق بإحدى المدارس المهنية، وألغيت بموجب هذا الإصلاح المدرسي «مدرسة المواطنين»، التي لم تكن لدى تلاميذها فرصة متابعة التعليم في المدارس الثانوية. وفي عام 1933 بلغت نسبة البنات في المدارس 30 %.

وفي عام 1962 أصدر البرلمان النمساوي تعديلا على قانون التنظيم المدرسي جعل بموجبه مدة الإلزام المدرسي 9 سنوات.

المدرسة المتوسطة الجديدة NMS:

حيث إن النظام المدرسي النمساوي يعد من أساسيات نظام الدولة والمجتمع، فإن أية تعديلات أو تغييرات تطرأ على الأنظمة والقوانين المدرسية السائدة تحتاج إلى أغلبية الثلثين في البرلمان النمساوي، أي نفس الأغلبية التي يحتاجها أي تعديل دستوري، بمعنى آخر ينبغي أن توافق عليه معظم الأحزاب الممثلة في البرلمان على الأقل، وحيث كانت وزيرة التعليم سنة 2008 تود إدخال تعديل جذري على النظام المدرسي يهدف إلى إلغاء المدرسة الرئيسية والمرحلة الأولى (الدنيا) من المدرسة الثانوية والاستعاضة عنهما بمدرسة متوسطة موحدة ولم يجد اقتراحها توافقا لدى الأحزاب، لذا عمدت إلى إحداث نمط مدرسي تجريبي جديد سمته (المدرسة المتوسطة الجديدة)، والقوانين المدرسية السائدة تسمح باستحداث تجارب مدرسية على أن تكون محددة المدة ويكون الالتحاق بها اختياريا، أي باختيار أولياء أمر التلاميذ، ويتم تقييم التجربة قبيل نهاية مدتها فإما أن تكون النتائج إيجابية ومرضية أو سلبية، ويعرض الأمر على البرلمان فيقرر بأغلبية الثلثين إدخال النمط المدرسي الجديد كنمط مدرسي نظامي، أو تلغى التجربة. وهكذا كان ففي عام 2012 وبعد تقييم التجربة ونجاحها تم التوافق بين الأحزاب على إدخال المدرسة المتوسطة الجديدة كنمط مدرسي نظامي يحل تدريجيا محل المدرسة الرئيسية، ولكن مع الاحتفاظ بالمرحلة الأولى (الدنيا) من المدرسة الثانوية. واعتبارا من العام الدراسي 2017/2018 لم يعد هنالك صف أول في المدارس الرئيسية وبنهاية هذا العام الدراسي ستتخرج آخر دفعة من طلاب المدرسة الرئيسية، واعتبارا من السنة الدراسية القادمة 2020/2021 ستكون المدرسة الرئيسية قد ألغيت تماما وحلت محلها المدرسة المتوسطة.

ولكن ما الفرق بين النمطين المدرسيين، تتميز المدرسة المتوسطة عن المدرسة الرئيسية بأنها تركز بشكل أكبر على المواد الرئيسية (اللغة الألمانية، الرياضيات، اللغة الأجنبية) وتعد الطلاب وتتطلب منهم قدرات أعلى في هذه المواد،وتستعين بمدرسين إضافيين من مجال المدارس الثانوية لتقوية طلاب المدرسة المتوسطة في هذه المواد كمجموعات عمل، إضافة إلى تقليل عدد الطلاب في الصف، والتركيز على موضوع استيعاب العلاقة المتبادلة بين المواد التعليمية وفهم بناها ومعانيها أكثر من حفظ مفرداتها، كما أن المدرسة المتوسطة تتيح لطلابها الخيار في المنهاج التعليمي بين نقاط الثقل التالية: مجال اللغات والعلوم الإنسانية والفكرية، العلوم الطبيعية والرياضيات، الاقتصاد وعلوم الحياة، الموسيقى والابتكار. أي أن عملية الفرز والتوجيه بين هذه المجالات تبدأ في المرحلة المتوسطة، والهدف من كل هذه الجهود رفع مستوى الطالب العلمي والثقافي إذا قرر بعد إنهاء المدرسة المتوسط الالتحاق بالتعليم المهني، وتهيئة من يرغب بمتابعة تعليمه في المرحلة الثانية (العالية) من المدرسة الثانوية العامة، أو المدرسة الثانوية المهنية، ليسهل عليه اختيار التوجه من ضمن المجالات المختلفة المتاحة فيهما وتكون لديه الأسس المعرفية الجيدة في مواد ومهارات ذلك المجال. مدة المدرسة المتوسطة هي 4 سنوات، أي أنها تنتهي بنهاية السنة المدرسية الثامنة مثل سابقتها المدرسة الرئيسية. وقد تطلب التحول من نمط المدرسة الرئيسية القديمة إلى المدرسة المتوسطة الجديدة زيادة عدد المعلمين والمدرسين بشكل ملحوظ، إضافة إلى توفير مختبرات ومعدات إضافية مما نتج عنه زيادة الإنفاق العام في هذا المجال.

التعليم المهني الثنائي أو المزدوج - Dual System:

هذا النمط من متابعة التعليم للطلاب من سن 14 سنة، أي اعتبارا من السنة المدرسية التاسعة يعتمد النظام الثنائي أي المواءمة بين التعليم النظري والتدريب العملي المباشر في المشاغل والورشات والمعامل، ويسمى الطالب في هذه المرحلة (Lehrling) أي متدرب أو صانع، فبعد إنهاء المدرسة الرئيسية أو المرحلة الأولى (الدنيا) من المدرسة الثانوية يختار الطالب الحرفة أو المهنة التي يريد تعلمها (من بين الحرف والمهن الموصفة) ويبحث عن قبول لدى أصحاب المحلات، والمشاغل، والورش، والمعامل المختلفة فإذا حصل على مكان للتدريب لدى أحدهم يسجل في المدرسة المهنية الملائمة ليتلقى فيها المعارف النظرية عن تلك المهنة، بحيث يزور المدرسة يوما أو يومين في الأسبوع ويداوم في بقية أيام الأسبوع في موقع العمل، وفي بعض المناطق والأنماط المدرسية المهنية يزور الطالب المدرسة المهنية لعدة أسابيع مجتمعة في كل فصل دراسي ويداوم في الأسابيع الأخرى في موقع العمل، وهنالك مدارس مهنية ـ وخاصة في المناطق الريفية ـ لديها قسم داخلي بحيث يسكن الطالب المتدرب فيه وتتراوح مدة الدراسة في هذا النظام المدرسي الثنائي من سنتين إلى أربع سنوات تبعا لنوع وطبيعة المهنة التي يتعلمها الطالب، وتنتهي بامتحان في تلك المهنة فإذا نجح فيه يصبح مؤهلا للعمل في هذه المهنة كعامل فني. وخلال فترة الدراسة يتقاضى الطالب من صاحب العمل مبلغا شهريا لتغطية مصروفاته الضرورية كما يسدد صاحب العمل عن المتدرب أقساط التأمين الاجتماعي والصحي.

وبعد التخرج من هذه المدارس يلتحق الخريجون بالعمل النظامي كعمال فنيين في المحلات والمصالح المختلفة، ومن لديه منهم الرغبة يمكنه الالتحاق بدورات ليلية ينظمها فرع المهنة التي تعلمها في غرفة الاقتصاد النمساوي ليتابع تأهيله المهني ويتعلم المستجدات في تلك المهنة، وبعد سنوات تتاح له فرصة الالتحاق بدورة معلم مهنة ثم يؤدي امتحانها فإذا نجح فيه يصبح من حقه العمل مستقلا كصاحب عمل في المهنة التي تعلمها.

ولسد الثغرة التي يمكن أن تنشأ بين سن 14 سنة وسن 15 سنة وهي سن انتهاء مدة الإلزام المدرسي (بعد أن أصبح 9 سنوات) وذلك لمن لا يجد من خريجي المدرسة الرئيسية، مكانا للتدريب في إحدى المهن في تلك السنة، فقد أنشأت الدولة نمطا مدرسيا انتقاليا مدته سنة واحدة سمي «المدرسة متعددة التقانة ـ Polytechnic School): وفيها يختار الطالب أحد المجالات التالية: المعادن والكهرباء، الميكاترونيك، الخشب والبناء، الخدمات، السياحة، التجارة والأعمال المكتبية، المكتب الرقمي والمعلوماتية ... إلخ. أي أنه يتعلم خلال هذه السنة المعلومات الأساسية عن مجال كامل مع تدريب عملي أيضا، مما يساعده في السنة التي تليها في الحصول على مكان للتدريب على الحرفة التي يود تعلمها ومزاولتها ضمن هذا المجال. ولمن لا يرغب في متابعة التعليم تسهل عليه هذه السنة الالتحاق بالعمل في المجال الذي اختاره كعامل غير فني ولكنه يعرف أساسيات المهنة أو الحرفة، ويكون قد أوفى بسنوات الإلزام المدرسي في نفس الوقت.

مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة:

توجد في النمسا منذ عام 1885م مدارس للأطفال الذين يعانون من إعاقات جسدية أو نفسية وكانت تسمى (مدارس المعونة)، وفي عام 1956م صدر قانون أعاد تنظيم هذه المدارس وتغير مسماها إلى Sonderschulen أي مدارس الاحتياجات الخاصة، وهي تغطي مرحلة الإلزام المدرسي أي هنالك مدارس احتياجات خاصة ابتدائية ومتوسطة، وفيها فروع لمختلف أنواع الإعاقة الجسدية والنفسية، ويعلم فيها مدرسون متخصصون في هذا المجال التعليمي التربوي، ويتم التعليم فيها ضمن مجموعات صغيرة، وتقدر نسبة طلاب هذه المدارس بحوالي 5 % من مجموع طلاب المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، ولكن الاتجاه السائد بين خبراء التربية يتجه إلى إلغاء هذا النمط المدرسي ودمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في فصول المدارس العادية لتجنب التمييز المجتمعي ضدهم، وقد بدأت تجربة مدرسية في هذا الاتجاه اعتبارا من عام 2012م، بحيث يخير أولياء أمر الطالب المعاق بين أن يزور الطفل مدرسة ذوي احتياجات خاصة أم يدمج في صفوف المدارس العادية، ويدعّم الصف المدرسي الذي يضم طالبا أو أكثر من ذوي الاحتياجات الخاصة بمدرس إضافي من المختصين بتعليم أصحاب الإعاقات.

التعليم الثانوي:

وينقسم إلى قسمين رئيسيين: التعليم الثانوي العام، والتعليم الثانوي المهني.

1) التعليم الثانوي العام:

وينقسم إلى مرحلتين أ) المرحلة الثانوية الأولى (الدنيا)، والمرحلة الثانوية الثانية (العالية) ومدة كل منهما 4 سنوات. ويقبل للدراسة في المرحلة الأولى خريجو المدرسة الابتدائية (Volksschule) بعد إنهاء السنة المدرسية الرابعة بنجاح شريطة ألا تقل درجاتهم في المواد الرئيسية (اللغة الألمانية، القراءة، والحساب) عن جيد. ويمكن لمؤتمر المدرسة (المدير، والمعلمين، وممثل أولياء التلاميذ) التوصية بقبول الطالب الذي حصل في إحدى هذه المواد الرئيسية على درجة (مرضي) إذا ارتأوا بأن مجمل قدراته تؤهله لذلك، فإذا لم يوص مؤتمر المدرسة بذلك وكان أولياء أمر التلميذ مصرين على إلحاقه بالمرحلة الثانوية الأولى فعليه أداء امتحان قبول وأن ينجح فيه، وإلا فكان عليه متابعة تعليمه في المدرسة الرئيسية، والآن في المدرسة المتوسطة. فإذا كانت درجات الطالب تؤهله للالتحاق بالمرحلة الأولى من المدرسة الثانوية العامة فعليه أن يختار بين ثلاثة أنماط مدرسية:

1) الثانوية (Gymnasium) وهذا النمط المدرسي يركز على اللغات، والعلوم الإنسانية والفكرية.

2) الثانوية الواقعية (Realgymnasium) وهذا النمط المدرسي يركز على العلوم الطبيعية والرياضية.

3) الثانوية الواقعية الاقتصادية (Wirtschaftskundliches Realgymnasium) وهذا النمط المدرسي يركز على المواد الاقتصادية والحياتية بما فيها النواحي العملية.

خلال السنتين الثالثة والرابعة تعطى للطلاب إرشادات فيما يتعلق بخياراتهم المهنية في المستقبل بحيث يستطيعون اتخاذ القرار السليم بعد إنهاء السنة الرابعة بنجاح فيما إذا كانوا يودون متابعة الدراسة في المرحلة الثانية (العالية) من المدرسة الثانوية العامة، أم يودون الانتقال للتعليم الحرفي الثنائي، أو المهني المتوسط، أو المهني العالي.

فإذا قرر الطالب بعد إنهاء السنة الرابعة من المرحلة الأولى بنجاح متابعة الدراسة في المرحلة الثانية العالية في نفس النمط المدرسي الذي اختاره فعليه اعتبارا من السنة الثانوية السادسة (السنة المدرسية العاشرة) أن يختار عددا من المواد التعليمية إضافة إلى المواد الرئيسية وتصبح هذه المواد إلزامية له بعد اختيارها ويختلف عدد ساعاتها الأسبوعية باختلاف النمط المدرسي فهي في الثانوية Gymnasium 6 ساعات أسبوعية، وفي الثانوية الواقعية 8 ساعات أسبوعية، وفي الثانوية الواقعية الاقتصادية 10 ساعات أسبوعية، هذا إلى جانب مواد حرة. وتنتهي الدراسة في كافة أنماط المدرسة الثانوية العامة بانتهاء السنة الثانوية الثامنة (السنة المدرسية الثانية عشرة) بامتحان شهادة الثانوية العامة (Matura) وهو عبارة عن امتحان تحريري عام موحد إضافة إلى امتحان شفوي يجرى في المدرسة أمام لجنة امتحان مؤلف من رئيس اللجنة الموفد من قبل الإدارة التعليمية، ومدير المدرسة، ومدرسي الصف الثاني عشر مجتمعين.

كما توجد أنماط خاصة من المدرسة الثانوية العامة مثل المدرسة الثانوية العامة مع مركز ثقل موسيقي، ومدرسة ثانوية عامة مع مركز ثقل رياضي، وهذه تحتاج إلى امتحان قبول لتأكيد الموهبة قبل الالتحاق بالسنة الدراسية الأولى فيها.

2) التعليم الثانوي المهني:

وينقسم إلى نمطين مدرسيين: المدارس المهنية المتوسطة، والمدارس المهنية العالية.

أ‌) المدارس المهنية المتوسطة: ومدة الدراسة فيها تتراوح من سنتين إلى أربع سنوات وفقا للفرع المهني ومتطلباته. ويشترط للقبول فيها نجاح الطالب في الصف الرابع (السنة المدرسية الثامنة) من المدرسة الرئيسية، أو المدرسة المتوسطة التي خلفتها، مع حصوله على درجة جيد على الأقل في المواد الرئيسية (اللغة الألمانية، الرياضيات، واللغة الأجنبية)، أو اجتياز امتحان قبول بنجاح، أو إنهاء المرحلة الأولى (الدنيا) من المدارس الثانوية العامة بنجاح. يشتمل هذا النمط المدرسي على كافة الفروع المهنية الموصفة، وتسمى مدارسه (المدرسة المختصة ـ Fachschule)، وإذا كانت تدرس الفروع التجارية فتسمى (مدرسة التجارة ـ Handelsschule)، وتشتمل مناهجها على مواد نظرية وتمارين عملية في الفرع المهني المعني، ويحصل خريجوها على شهادة تؤهلهم للعمل كعمال فنيين، وبعد مزاولة العمل في المصالح المختلفة كعمال فنيين، يمكن لمن يرغب منهم أن يحصل من غرفة الاقتصاد النمساوية على (الرخصة المهنية) مما يمكنه من مزاولة المهنة مستقلا في ورشته أو محله الخاص به. كما بإمكان من يرغب من الخريجين متابعة التعليم في مدرسة ثانوية مهنية ليحصل على الشهادة الثانوية المهنية بنهاية السنة المدرسية الثالثة عشرة.

ب‌) المدارس المهنية الثانوية: ومدة الدراسة فيها 5 سنوات، ويشتمل هذا النمط المدرسي على مدارس ثانوية متخصصة في مختلف الفروع المهنية: التقنية، والتجارية، والزراعية، والصحية ... إلخ.، وتسمى الفروع التقنية منها (المعهد التقني العالي لـ... ـ Hoehere Technische Anstalt) بينما تسمى الفروع التجارية (أكاديمية التجارة ـ Handelsakademie) وتبدأ الدراسة فيها اعتبارا من السنة المدرسية التاسعة، ويشترط للقبول فيها نجاح الطالب في الصف الرابع (السنة المدرسية الثامنة) من المدرسة الرئيسية، أو المدرسة المتوسطة التي خلفتها، مع حصوله على درجة جيد على الأقل في المواد الرئيسية (اللغة الألمانية، الرياضيات، واللغة الأجنبية)، أو اجتياز امتحان قبول بنجاح، أو إنهاء المرحلة الأولى (الدنيا) من المدارس الثانوية العامة بنجاح. وتتميز مناهجها بإعطاء الطالب معارف نظرية معمقة في الفرع المهني الذي اختاره مع تدريب عملي مكثف أيضا، وتنتهي الدراسة فيها بنهاية سنتها الخامسة (السنة المدرسية الثالثة عشرة) بامتحان مشدد أمام لجنة امتحان يرأسها موفد الإدارة التعليمية وتضم مدير المدرسة وكافة مدرسي الصف الخامس فيها، ويمنح الناجح في هذا الامتحان الشهادة الثانوية العامة المهنية (Berufsmatura) وهذه الشهادة تؤهله للعمل ضمن الكادر المتوسط في الشركات، والبنوك، والمصالح الاقتصادية والصناعية في النمسا وفي دول الاتحاد الأوربي، وهؤلاء هم صلة الوصل بين المهندسين والخبراء الاقتصاديين الجامعيين وبين العمال والموظفين الفنيين، ويعتبرون عصب الاقتصاد في النمسا وبلدان وسط أوروبا، وبإمكان من يرغب منهم أن يمارس مهنته مستقلا ويؤسس مصلحته الخاصة.

ومن الجدير بالذكر فإن كافة أنواع شهادة الثانوية العامة والمهنية تؤهل حاملها للالتحاق بكافة الفروع الدراسية الجامعية الإنسانية منها، والتقنية، والاقتصادية، والصحية بغض النظر عن تخصصه المدرسي لأن المواد الرئيسية الثلاثة أي (اللغة الألمانية، والرياضيات، واللغة الأجنبية) تبقى مستمرة مع المواد التخصصية في كافة فروع الدراسة الثانوية. غير أن بعض الفروع الدراسية أصبحت تشترط اجتياز الطالب بغض النظر عن نمط شهادته الثانوية امتحان قبول بنجاح ليتمكن من الالتحاق بها، وبدأ الأمر بدراسة الطب البشري، ولكن القائمة أخذت تطول في السنوات الأخيرة، وهي تشمل في جامعة فيينا الآن عشرات الفروع الدراسية مثل: الحقوق، المعلوماتية، الأحياء، علم النفس، الصيدلة، الاقتصاد، الإعلام، الكيمياء، إدارة الأعمال الدولية، علم الاجتماع وإلخ، والدافع لاشتراط امتحان القبول هو زيادة الطلب على دراسة ما مع محدودية الأماكن الدراسية المتاحة.

وأخيرا ونظرا لأن مشروع تطوير مسارات الثانوية العامة، الذي اعتمدته وزارة التعليم بالمملكة قد تضمن إنشاء أكاديميات متخصصة، لذا أود في ختام هذا المقال إعطاء القارئ الكريم لمحة عن أكاديمية تعليمية عريقة أسست في فيينا قبل قرنين ونصف أي عام 1746م، وهي (الأكاديمية التيريزيانية ـ Theresianische Akademie) والتي كان القصد من إنشائها في ذلك الحين أن تكون مدرسة طليعية لأبناء النبلاء، وقد درس فيها عدد من النبلاء والأمراء الأوربيين والمشرقيين أيضا، ومن بين طلابها الخديوي المصري إسماعيل باشا، والخديوي عباس حلمي الثاني. وهي اليوم مدرسة ثانوية طليعية تهتم بتعليم طلابها عدة لغات إلى جانب المنهج التعليمي الثانوي المعتمد في الثانويات العامة، إذ على الطالب أن يختار اعتبارا من السنة الأولى (السنة المدرسية الخامسة) بين إحدى اللغتين الإنكليزية أو الفرنسية، وفي السنة الثالثة تضاف اللغة التي لم يخترها الطالب في السنة الأولى، واعتبارا من السنة الرابعة تضاف إليهما اللغة اللاتينية، واعتبارا من السنة السادسة (السنة المدرسية العاشرة) تضاف اللغة الروسية أيضا، أي أن خريج هذه الأكاديمية يتعلم فيها 4 لغات على الأقل، وسابقا كانت اللغة اليونانية القديمة ضمن المنهج الإلزامي، ولكن حلت محلها مؤخرا اللغة الروسية.

ونظرا لكثافة المنهج إلى جانب تعدد الأنشطة المدرسية لذا تعتمد الأكاديمية نظام الدوام لكامل النهار أي حتى الساعة السادسة مساء، وبعض الطلاب يقيمون في القسم الداخلي منها طوال الأسبوع. واعتبارا من العام الدراسي 1989/1990م، سمح للطالبات بالالتحاق للدراسة بهذه الأكاديمية للمرة الأولى في تاريخها الطويل.

وفي الختام أجزم بأن أي متخصص تعليمي أو تربوي حصيف لابد أن يشيد بهذه البرامج التعليمية الإصلاحية الجذرية التي يتبناها معالي وزير التعليم الدكتور حمد بن محمد آل الشيخ، صاحب الشخصية الكرزماتية، حيث إن مثل هذه البرامج تخدم مصلحة الوطن ليس على المدى القصير وإنما على المدى البعيد من خلال إيجاد مسارات تقنية لطلبة الثانوية العامة ذات مساس مباشر بمتطلبات سوق العمل السعودي وبما يساعد على الاستغناء عن الملايين من العمالة الوافدة ولاسيما وأن هذه البرنامج التعليمية الإصلاحية الجذرية ترتكز على التجارب العالمية الناجعة مثل التجربة التعليمية النمساوية وتتماشى مع الرؤية السلمانية 2030.


1591465298917.png


رابط المقال :
الكاتب
مقالات ملتقى المعلمين والمعلمات
المشاهدات
558
الإصدار الأول
آخر تحديث
تقييم
0.00 نجوم 0 تقييمات
أعلى